النهي عن حب الشهرة والجاه

خلق الله في الإنسان حب الشهرة ، وانتشار الصيت والسمعة ، ويُحب الإنسان أن يُسمع له أو يُكتب قوله ، وحب الشهرة ، شهوة خفية تصيب القلوب ، فتمنعها من الإخلاص ، والصدق مع الله تعالى : فتأكل الحسنات ، وتحبط الأعمال الصالحة ، وتسبب الغفلة ، وقسوة القلب ، ومع ذلك ، يتمناها أكثر الناس، ويسعون جهدَهم لأجلها، رغم أنها صفة من الصفات الإبليسية قال تعالى : ﴿ قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طيبن ﴾ بل هي آفة من الآفات الخطيرة ، التي تقود صاحبها إلى الهلاك ، والتعالي والغرور ولذلك جاء التحذير منها في قوله تعالى : ﴿ فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى ﴾ والإعجاب بالنفس ، هو الكبر الذي نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) وطالب الجاه والشهرة ، طالب آفة دنيوية ، جاءت النصوص تدل على ذمهما ، فقال تعالى: ﴿ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ﴾ القصص 83 . وقال: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ﴾ هود 15. وروى مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( حسب امرئ من الشر – إلا من عصم الله – أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه وإن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم ) . ولأن حب الشهرة والجاه ، مرتبطة بحب الظهور فقد حذّر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( إنكم ستحرصون على الإمارة ، وستكون ندامة يوم القيامة ، فنعم المرضعة وبئس الفاطمة ) وقوله : نعم المرضعة ، لأن معها المال والجاه والسلطة ، وقوله : بئس الفاطمة ، لأن معها القتل والعزل في الدنيا ، والحسرة والتبعات يوم القيامة وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم عواقب الرئاسة ومراحلها الثلاث في قوله : ( إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي : أولها ملامة ، وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة ، إلا من عدل ) . وجاء التحذير منها ، لأن من علاماتها ، حب ذكر الغير بالنقائص والعيوب ، وكراهة أن يُذكر أحد بخير بل وانتقاص الآخرين ، ليرفع نفسه ، فلا يدل على من هو أفضل منه ، في الدين أو العلم ، بل ويحجب فضائل الآخرين ، ويكتم أخبارهم خشية أن يستدل الناس عليهم ، فيتركوه ويذهبوا إلى غيره ، أو يقارنوا بينه وبين من هو خير منه فينفضوا عنه.
هناك من يعبدون الله تعالى، ويخدمون دينه، فلا يغضبون إن قُدم غيرهم عليهم، ولا يحزنون إن استأثر الناس بالأمر دونهم، لأنهم يعملون لله تعالى ولا يعملون للناس، غايتهم رضا الله تعالى ، لا ينظرون إلى الدنيا نظر أهلها لها، لأنهم ليسوا عبيدا للجاه والمال، ولا يهمهم أن يكونوا من سراة الناس أو من عامتهم، يعملون ويخلصون ، سواء عرف الناس قدرهم أم لم يعرفوه، وسواء وضعوهم في المكان اللائق بهم ، أم لم يضعوه؛ فالله تعالى يعلم قدرهم وفضلهم وإخلاصهم، وجزاء الله تعالى أعظم من جزاء البشر. هذا الصنف من الناس يجاهد نفسه في ردها عن غيها، ويجتهد في الإخلاص لله تعالى في كل أحواله. لا يحسد أحدا على منصب أو جاه ، وإن أعطاه الله ، لا يغتر بذلك، ولا يظن أنها دليل على رضا الله تعالى عنه كان السلف يحذرون من الشهرة ، وحب الظهور قال ابن المبارك: قال لي سفيان:” إياك والشهرة فما أتيت أحداً ، إلا وقد نهى عن الشهرة، وكانوا يحرصون على الإخلاص والتواضع ، عَنِ الْحَسَنِ أنه قَالَ: لقد صحبت أقواماً ، إن كان أحدهم لتعرض له الحكمة ، لو نطق بها نفعته ، ونفعت أصحابه فما يمنعه منها إلاَّ مخافة الشهرة ، وكثيراً ما تظهر علامات الشهرة ، وحب الظهور على أعضاء الإنسان وحركاته، مثل الميل على الناس ومحادثتهم بطرف الوجه ، احتقاراً لهم واستكباراً عليهم، وهذا ما حذر منه القرآن ، فقال الله تعالى: ﴿ ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور ﴾ لقمان . وكم من حوار علمي أفسده حب الشهرة والظهور والتعالي على الآخرين، وكم من فرد ارتكب الحرام لأجل الشهرة وحب الظهور، وكم من إنسان قال باطلاً وأشعل فتنة بسبب حب الظهور والشهرة . يقول الفضيل بن عياض :” إنه ما أحب أحد الشهرة والرياسة ، إلا حسد وبغى ، وتتبع عيوب الناس ، وكره أن يذكر أحد بخير ، فعاشق الشهرة لا ينظر إلا إلى رضا الناس ، ومن تتبع رضا الناس فقد تتبع شططا ” وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي: ( إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاص نفسك ودع عنك العوام ) وقوله صلى الله عليه وسلم : (حق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه) .وإذا كان تحذير السلف – رحمهم الله – من عاقبة هذا الباب بناء على ما شاهدوه في أزمانهم المتواضعة ، فمن باب أولى التحذير منه في هذا الزمان وإذا كان المشهور عندهم يؤثر في المئات أو الآلاف من الناس ، فالمشهور في هذا الزمن يؤثر في الملايين ، والشهرة وحبها باب واسع ليس مقتصرا على فئة بعينها، بل تكون في الحاكم والعالم والوزير والغني والمفكر والكاتب والصحافي وغيرهم فكم من شخص أراق الدماء ، وبطش وظلم لأجل التصدر والشهرة، فكم من عالم أو داع كبا وزل وانقلبت حاله لأجل الشهرة ، وكم من صحافي قال باطلا ، وأخفى حقا ، وأشعل نارا للفتنة لأجل الشهرة ، فليس الأصل في الشهرة الذم وإنما الذم لمن يسعى في طلبها ، والتحلي بها بين الناس ، ورحم الله الفضيل بن عياض إذ قال : “من أحبَّ أن يُذكر لم يذكر ، ومن كره أن يُذكر ذُكر ” ، وكلام هذا الإمام متين لمن أمعن النظر فيه ، وقرأ في تاريخ أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فيجد أن الذين رفع الله ذكرهم ، وبقي ثناء الناس عليهم بعد مماتهم ، هم أهل الزهد في الشهرة والذكر وأهل الإخلاص من أهل السنة والجماعة ، قيل لأبي بكر بن عياش : إن أناسا يجلسون في المسجد ويُجلس إليهم ، فقال : “من جلس للناس جلس الناس إليه ، ولكن أهل السنة يموتون ، ويبقى ذكرهم ، وأهل البدع يموتون ويموت ذكرهم”، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : “لأن أهل السنة أحيَّوا ما جاء به الرسول عليه السلام ، فكان لهم نصيب من قوله تعالى ( ورفعنا لك ذكرك) وأهل البدع شنأوا ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ فأهل الإخلاص والصدق من هذه الأمة من أهل السنة و الجماعة ، وهم من أعلى شأنهم وأبقى ذكرهم بين الناس ، روى الإمام مسلم من حديث أبي ذر ( رضي الله عنه) أنه قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : الرجل يعمل العمل لا يريد به إلا وجه الله ، فيحبه الناس وفي رواية ( فيثني عليه الناس) فقال صلى الله عليه وسلم : ( تلك عاجل بشرى المؤمن) .
قال النووي في شرحه على مسلم : ” قال العلماء معناه : هذه البشرى المعجلة له بالخير ، وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه ، ومحبته له ، فيحببه إلى الخلق ، ثم يوضع له القبول في الأرض، وهذا إذا حمده الناس ، من غير تعرض منه لحمدهم ، وإلا فالتعرض مذموم” . فعلى المؤمن أن لا يريد وجوه الناس بعمله ، بل عليه أن يرجو وجه الله ، وهو سبحانه من يعلي ذكره ، ويرفع شأنه ، ويرزقه محبة الناس ، جاء في الحديث القدسي : (إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ ) رواه البخاري .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *