الهداية والضلال

إن الإنسان هو الذي يهتدي ، وهو الذي يضل ، يهتدي مختاراً و يضل مختارا ً دون أي إجبار ، فالهدى والضلال من الإنسان نفسه ، لأنه فعل من أفعاله كسائر الأفعال الاختيارية ، بصريح الآيات القرآنية قال تعالى : ﴿ فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ﴾ الإسراء 15. وقال تعالى : ﴿ فإن اسلموا فقد اهتدوا ﴾ آل عمران . إن القارئ لهذه الآيات وأمثالها ، يجد أن الله رتب الحساب على أعمال الناس ، قال تعالى : ﴿ من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ﴾ فصلت 46 . أما لو كان الأمر كما يقول الجهلاء بأن الله هو الذي يهدي الإنسان ، وهو يضله وليس الإنسان نفسه ، فإن حساب الله للناس و تعذيبهم على الضلال حسب فهمهم ظلم ، لأنه حساب لهم على شيء لم يفعلوه ، وإنما بأمر من والله منـزه عن الظلم . فالإنسان هو الذي يضل و يهتدي ومحاسبته على ذلك عدلٌ ، لأنها محاسبةُ على فعله هو . أما الآيات التي تدل على نسبة الهداية و الضلال إلى الله ، فذلك يعني أن الله خلق الهداية
والضلال من العدم و ليس أن الله هو الذي باشر فعل الهداية مثال ذلك قال تعالى : ﴿ قل الله يهدي للحق ﴾ يونس 35 . وقال : ﴿ من يهد الله فهو المهتد ﴾ الإسراء 97 . هذه الآيات وأمثالها في القرآن الكريم ، لا تعني أن الله باشر الهداية ، إنما تعني أن الله خلق الهداية ، كما لا يقال إن الهداية استندت إلى الله لأن هناك قرينه تصرف الأشياء عن الفعل إلى الخلق ، وهي الآيات التي تسند الهداية إلى الإنسان قال تعالى : ﴿ وما أضلنا إلا المجرمون ﴾ الأعراف 38 . يفي موضوع الآيات التي اقترنت فيها الهداية و الضلال بمشيئة الله ، فهذه تفيد بأنه لا يهتدي أحدٌ جبراً عن الله ، أو يضل جبراً عنه ، وليس معناها أن إرادة الله هي التي فعلت الفعل قال تعالى : ﴿ ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ النحل 93 . فإضلال الله لشخص معناه : أن هذا الشخص آثر الغي على الرشاد وسعى إليه فناله قال تعالى : ﴿ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الصف 23. وقال : ﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم لتولوا وهم معرضون ﴾ الأنفال 23. فمعنى يضل من يشاء لا يعدو قوله تعالى : ﴿ يضل الله به الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ﴾ البقرة 26 .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *