الواقع الإسلامي والعالمي

ليس المسلمون فقراء بمجموعهم ولا ضعفاء بإيمانهم ، ولا أقلاء بعددهم ،﴾ ولا جهلاء بجملتهم ، بل لديهم كل شيء من أسباب النهضة ، لا بل هم في القمة بالقياس إلى بقية الأمم لو اجتمعوا ، لكنهم تفرقوا ، وابتعدوا عن منهج ربهم ، لذا نجدهم في أسوأ حال واتعس بال ، فُرقةٌ وشتاتٌ، وتنازُعٌ واختلافٌ ، في الوقت الذي يصطرِعُ العالمُ على رغَباتٍ سياسيَّة وقوميَّة، ودينيَّة واقتصاديَّة، ويعيشُ أزمَاتٍ حادَّةً نتيجة الأهواء الفردية، والمطامِع الإقليمية، واستِبدادًا يستمِدُّ بقاءَه بالبطش والاعتِداء ، الذي أنتجَ البغيَ والظلمَ، واشتِعالَ الحُروب، وسقوطَ الضحايا وخرابَ الديار، وقد نالَ المُسلمين قِسطٌ وافِرٌ من هذا البلاء، وأصابَهم ضِعفُ ما أصابَ غيرَهم، وتكالَبَت عليهم الأُمم، فاحتُلَّت بعضُ أوطانِهم، واستُنزِفَت خيراتُهم وسُرِقَت أقواتُهم، وضاعَ صوتُهم ، في الوقت نفسِه تسعى أميركا إلى تركيز جميع الضغوط على بلاد المسلمين من الناحية السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وذلك من خلال العملاء والمشاريع المشبوهة، ومن خلال الغزو والقهر، ومن خلال تمكين الكيان اليهودي من التمدد في طول البلاد وعرضها، ومن خلال المؤتمرات والاجتماعات المشبوهة ، والمشاريع المميتة للاقتصاد، ومن خلال زيادة المديونية على الدول الإسلامية عن طريق المؤسسات المالية العالمية لإعناتها.
بينما تنتظِمُ كثيرٌ من الدُّول في تكتُّلاتٍ عالميَّة ، ضيَّقَت هُوَّة الخلافات بينها وتقارَبَ بعضُها مع بعضٍ من أجل مصالِحِها، مع أن ما بيننا من عُرَى الوحدة وأسباب التضامُن والتكافُل، والتعاوُن والترابُط أكثر مما بين أُمم الأرض جميعًا.
إن واقعَ المُسلمين اليوم لَيُشبِهُ واقِعَهم يوم الأحزاب قال تعالى : { إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ } الأحزاب 10. المسجد الأقصَى .. الأرضُ المُبارَكة وما حولَها .. شامُ العِزِّ وأهلُها .. بُورما وأفريقيا الوُسطَى .. فضلاً عن اضطِرابِ كثيرٍ من بلاد المُسلمين واحتِرابِ بعضِهم مع بعضٍ، وتكالب الأعداء عليهم من الشرق والغربِ.
ولم يزَل جُرحُ فلسطين كُلَّما شُغِل المُسلِمون عنه بقضايا حادِثة ، كلَّما حرَّك المُحتلُّ ما يُهيِّجُه ويُدمِيه، مُستفِزِّين بذلك شُعورَ مئاتِ الملايين من المُسلمين، التي تغلِي غلَيَان المِرجَل، وقد أدركَ الأعداءُ ذلك ، فانطلَقُوا جميعًا للوقوف أمام أمانِيهم وأجهَضُوا أحلامَهم، مُستعِينين بالنفوس المريضة، الذين يُريدون جرَّ شُعوبِهم إلى هاوِيةِ التردِّي والذُّلِّ والشَّتَات. هذه هي الاستراتيجية الأميركية التي وضعت لعزل وقهر العالم الإسلامي، وذلك من خلال محاولات استباقية لمنع قيام الدولة الإسلامية. إلا أن هذه الاستراتيجية لن تنجح أبداً في تحقيق أهدافها، خاصة وأن المد الإسلامي ما زال في حالة متنامية، بالرغم من كل هذه الهجمات الشرسة على المسلمين. ولن تستطيع أميركا إيقاف هذا المد بخططها الماكرة هذه، فالناحية العقائدية والحضارية لا يوجد أي حل أميركي غربي لمعالجتها؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه. يقول الرئيس الأميركي نيكسون في كتابه (ما وراء الإسلام): «ما يهدد العالم فعلاً هو أن بلدنا قد يكون غنياً بالبضائع، ولكننا فقراء في الروح. فالتربية والتعليم الرديئان، والجرائم المتزايدة، والعنف المتصاعد، والانقسامات العرقية النامية، والفقر المستشري، وآفة المخدرات، والثقافة المنهارة في وسائل التسلية، والانحدار في تأدية الواجب المدني والمسؤولية، وانتشار الفراغ الروحي، ساهمت جميعاً بفض الأميركيين وتغريبهم عن بلادهم ودينهم وعن بعضهم بعضاً». ويقول زبغينو بريجنسكي وهو مستشار سابق للأمن القومي الأميركي: «إن المجتمع المنغمس في الشهوات (المجتمع الأميركي) لا يستطيع أن يسن قانونا أخلاقياً للعالم، وإن أي حضارة لا تستطيع أن تقدم قيادة أخلاقية سوف تتلاشى». هذه هي الحضارة الأميركية والغربية باعتراف الأميركيين أنفسهم، إنها حضارة لا أخلاقية، حضارة تستشري فيها الآفات الاجتماعية، حضارة خواء فكري، إنها حضارة خاوية على عروشها. واليوم وقد اختلَفَت الموازِينُ، وطغَت حضارةُ الآلةُ على حضارة الإنسان وتسيَّدَت المصالِحُ وتَوارَت الأخلاق، ووهَنَ كثيرٌ من حمَلَة هذا الدين، وأدرَكهم داءُ الأُمم قبلَهم، وقصَّر كثيرٌ من حُكَّام المُسلمين؛ أصبَحَت هذه الأمةُ مِزَعًا، وأمرُهم فُرُطًا ذهبَت رِيحُهم، وخبَت نارُهم، وتضعضَعَت بين الأُمم كلمتُهم ، فأصبحَ الناسُ ينشُدون الهُدى عند غيرِهم، ويبتَغون الرَّشاد عند سِواهم، وعوَّلُوا كثيرًا على ما أنتَجَته حضارةُ المادَّة، وعُصارة الفِكر الحديث، فما زادَهم ذلك إلا تِيهًا فوق تِيه. والعزاءُ هو أن الداء ليس في الدين نفسِه، وإنما في كثيرٍ من حمَلَته ، فلم تنطَفِئ الشُّعلةُ وإنما كلَّ حامِلُها، ولم تغِب الشمسُ وإنما عمِيَ البصير؛ فهذا الدينُ عصِيٌّ على الفناء، لا يقبلُ الذَّوَبان وإن ذابَ بعضُ أتباعه. وإذا قصَّر في حقِّه جيلٌ أتى الله من بعدِهم بأجيال ، وقد شرع الله جل شأنه سنة استبدال الأقوام وضوابطها فقال جل شأنه : ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ آل عمران 140 . وقال : ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ سورة محمد 38.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *