الْمَوْعِظَةُ الْبَالِغَةُ لعلي بن أبي طالب


رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ وَكَانَ عَابِداً نَاسِكاً مُجْتَهِداً إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ علي رضي الله عنه وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لَنَا صِفَةَ الْمُؤْمِنِ كَأَنَّنَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ .
فَقَالَ : ” يَا هَمَّامُ الْمُؤْمِنُ هُوَ الْكَيِّسُ الْفَطِنُ ، بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ وَ حُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ ، أَوْسَعُ شَيْ‏ءٍ صَدْراً وَأَذَلُّ شَيْ‏ءٍ نَفْساً ، زَاجِرٌ عَنْ كُلِّ فَانٍ حَاضٌّ عَلَى كُلِّ حَسَنٍ ، لا حَقُودٌ وَلا حَسُودٌ ، وَلا وَثَّابٌ وَلا سَبَّابٌ ولا عَيَّابٌ وَلا مُغْتَابٌ ، يَكْرَهُ الرِّفْعَةَ وَ يَشْنَأُ السُّمْعَةَ طَوِيلُ الْغَمِّ بَعِيدُ الْهَمِّ كَثِيرُ الصَّمْتِ وَقُورٌ ذَكُورٌ صَبُورٌ شَكُورٌ ، مَغْمُومٌ بِفِكْرِهِ مَسْرُورٌ بِفَقْرِهِ سَهْلُ الْخَلِيقَةِ لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ ، رَصِينُ الْوَفَاءِ قَلِيلُ الأَذَى غَضِبَ لَمْ يَنْزَقْ ، ضِحْكُهُ تَبَسُّمٌ وَاسْتِفْهَامُهُ تَعَلُّمٌ وَمُرَاجَعَتُهُ تَفَهُّمٌ ، كَثِيرٌ عِلْمُهُ عَظِيمٌ حِلْمُهُ ، كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لا يَبْخَلُ وَلا يَعْجَلُ ، وَلا يَضْجَرُ وَلا يَبْطَرُ ولا يَحِيفُ فِي حُكْمِهِ وَلا يَجُورُ فِي عِلْمِهِ ، نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ وَمُكَادَحَتُهُ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ لا جَشِعٌ وَلا هَلِعٌ وَلا عَنِفٌ وَلا صَلِفٌ وَلَا مُتَكَلِّفٌ وَلا مُتَعَمِّقٌ ، جَمِيلُ الْمُنَازَعَةِ كَرِيمُ الْمُرَاجَعَةِ ، عَدْلٌ إِنْ غَضِبَ رَفِيقٌ إِنْ طَلَبَ ، لا يَتَهَوَّرُ وَلا يَتَهَتَّكُ وَلا يَتَجَبَّرُ خَالِصُ الْوُدِّ ، وَثِيقُ الْعَهْدِ ، وَفِيُّ الْعَقْدِ شَفِيقٌ وَصُولٌ حَلِيمٌ خَمُولٌ ، قَلِيلُ الْفُضُولِ ، رَاضٍ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ، مُخَالِفٌ لِهَوَاهُ ، لا يَغْلُظُ عَلَى مَنْ دُونَهُ لا يَخُوضُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ ، نَاصِرٌ لِلدِّينِ مُحَامٍ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ، كَهْفٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، لا يَخْرِقُ الثَّنَاءُ سَمْعَهُ وَلا يَنْكِي الطَّمَعُ قَلْبَهُ ، وَ لَا يَصْرِفُ اللَّعِبُ حُكْمَهُ وَلا يُطْلِعُ الْجَاهِلَ عِلْمَهُ قَوَّالٌ عَمَّالٌ ، عَالِمٌ حَازِمٌ لا بِفَحَّاشٍ وَلا بِطَيَّاشٍ وَصُولٌ فِي غَيْرِ عُنْفٍ بَذُولٌ فِي غَيْرِ سَرَفٍ ، لا بِخَتَّالٍ وَ لَا بِغَدَّارٍ ، ولا يَقْتَفِي أَثَراً وَلا يَحِيفُ بَشَراً رَفِيقٌ بِالْخَلْقِ ، سَاعٍ فِي الأَرْضِ ، عَوْنٌ لِلضَّعِيفِ غَوْثٌ لِلْمَلْهُوفِ ، لا يَهْتِكُ سِتْراً وَلَا يَكْشِفُ سِرّاً كَثِيرُ الْبَلْوَى قَلِيلُ الشَّكْوَى إِنْ رَأَى خَيْراً ذَكَرَهُ ، وَ إِنْ عَايَنَ شَرّاً سَتَرَهُ ، يَسْتُرُ الْعَيْبَ وَ يَحْفَظُ الْغَيْبَ وَيُقِيلُ الْعَثْرَةَ وَيَغْفِرُ الزَّلَّةَ ، لا يَطَّلِعُ عَلَى نُصْحٍ فَيَذَرَهُ وَلا يَدَعُ جِنْحَ حَيْفٍ فَيُصْلِحَهُ ، أَمِينٌ رَصِينٌ ، تَقِيٌّ نَقِيٌّ ، زَكِيٌّ رَضِيٌّ يَقْبَلُ الْعُذْرَ وَيُجْمِلُ الذِّكْرَ ، وَ يُحْسِنُ بِالنَّاسِ الظَّنَّ وَ يَتَّهِمُ عَلَى الْعَيْبِ نَفْسَهُ يُحِبُّ فِي اللَّهِ بِفِقْهٍ وَ عِلْمٍ ، وَ يَقْطَعُ فِي اللَّهِ بِحَزْمٍ وَ عَزْمٍ ، لا يَخْرَقُ بِهِ فَرَحٌ وَ لَا يَطِيشُ بِهِ مَرَحٌ ، مُذَكِّرٌ لِلْعَالِمِ ، مُعَلِّمٌ لِلْجَاهِلِ ، لا يُتَوَقَّعُ لَهُ بَائِقَةٌ ، وَلا يُخَافُ لَهُ غَائِلَةٌ ، كُلُّ سَعْيٍ أَخْلَصُ عِنْدَهُ مِنْ سَعْيِهِ وَكُلُّ نَفْسٍ أَصْلَحُ عِنْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ ، عَالِمٌ بِعَيْبِهِ شَاغِلٌ بِغَمِّهِ ، لَا يَثِقُ بِغَيْرِ رَبِّهِ غَرِيبٌ وَحِيدٌ جَرِيدٌ حَزِينٌ ، يُحِبُّ فِي اللَّهِ ، وَيُجَاهِدُ فِي اللَّهِ لِيَتَّبِعَ رِضَاهُ وَلا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ ، وَلا يُوَالِي فِي سَخَطِ رَبِّهِ مُجَالِسٌ لِأَهْلِ الْفَقْرِ مُصَادِقٌ لِأَهْلِ الصِّدْقِ ، مُؤَازِرٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ ، عَوْنٌ لِلْقَرِيبِ أَبٌ لِلْيَتِيمِ بَعْلٌ لِلْأَرْمَلَةِ ، حَفِيٌّ بِأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ مَرْجُوٌّ لِكُلِّ كَرِيهَةٍ ، مَأْمُولٌ لِكُلِّ شِدَّةٍ ، هَشَّاشٌ بَشَّاشٌ لا بِعَبَّاسٍ وَلا بِجَسَّاسٍ ، صَلِيبٌ كَظَّامٌ بَسَّامٌ ، دَقِيقُ النَّظَرِ ، عَظِيمُ الْحَذَرِ ، لَا يَجْهَلُ وَ إِنْ جُهِلَ عَلَيْهِ يَحْلُمُ ، لَا يَبْخَلُ وَ إِنْ بُخِلَ عَلَيْهِ صَبَرَ ، عَقَلَ فَاسْتَحْيَا وَ قَنِعَ فَاسْتَغْنَى ، حَيَاؤُهُ يَعْلُو شَهْوَتَهُ وَوُدُّهُ يَعْلُو حَسَدَهُ ، وَعَفْوُهُ يَعْلُو حِقْدَهُ لَا يَنْطِقُ بِغَيْرِ صَوَابٍ ، وَلا يَلْبَسُ إِلَّا الِاقْتِصَادِ ، مَشْيُهُ التَّوَاضُعُ ، خَاضِعٌ لِرَبِّهِ بِطَاعَتِهِ ، رَاضٍ عَنْهُ فِي كُلِّ حَالَاتِهِ ، نِيَّتُهُ خَالِصَةٌ ، أَعْمَالُهُ لَيْسَ فِيهَا غِشٌّ وَلا خَدِيعَةٌ ، نَظَرُهُ عِبْرَةٌ سُكُوتُهُ فِكْرَةٌ وَ كَلَامُهُ حِكْمَةٌ مُنَاصِحاً مُتَبَاذِلًا مُتَوَاخِياً ، نَاصِحٌ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ لا يَهْجُرُ أَخَاهُ ولا يَغْتَابُهُ وَلا يَمْكُرُ بِهِ ، وَلَا يَأْسَفُ عَلَى مَا فَاتَهُ وَلا يَحْزَنُ عَلَى مَا أَصَابَهُ ، وَلا يَرْجُو مَا لَا يَجُوزُ لَهُ الرَّجَاءُ ، وَلا يَفْشَلُ فِي الشِّدَّةِ ، وَلا يَبْطَرُ فِي الرَّخَاءِ يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَالْعَقْلَ بِالصَّبْرِ ، تَرَاهُ بَعِيداً كَسَلُهُ دَائِماً نَشَاطُهُ ، قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ ، مُتَوَقِّعاً لِأَجَلِهِ خَاشِعاً قَلْبُهُ ، ذَاكِراً رَبَّهُ ، قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْفِيّاً جَهْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ حَزِيناً لِذَنْبِهِ ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ ، كَظُوماً غَيْظَهُ صَافِياً خُلُقُهُ ، آمِناً مِنْهُ جَارُهُ ضَعِيفاً كِبْرُهُ قَانِعاً بِالَّذِي قُدِّرَ لَهُ ، مَتِيناً صَبْرُهُ مُحْكَماً أَمْرُهُ ، كَثِيراً ذِكْرُهُ ، يُخَالِطُ النَّاسَ لِيَعْلَمَ ، وَ يَصْمُتُ لِيَسْلَمَ وَيَسْأَلُ لِيَفْهَمَ ، وَيَتَّجِرُ لِيَغْنَمَ لا يُنْصِتُ لِلْخَبَرِ لِيَفْجُرَ بِهِ ، وَلَا يَتَكَلَّمُ لِيَتَجَبَّرَ بِهِ عَلَى مَنْ سِوَاهُ ، نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ ، أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآِخِرَتِهِ فَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ ، إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ الَّذِي يَنْتَصِرُ لَهُ ، بُعْدُهُ مِمَّنْ تَبَاعَدَ مِنْهُ بُغْضٌ وَ نَزَاهَةٌ ، وَدُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ تَكَبُّراً وَ لَا عَظَمَةً ، وَلا دُنُوُّهُ خَدِيعَةً وَلا خِلَابَةً ، بَلْ يَقْتَدِي بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ فَهُوَ إِمَامٌ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَهْلِ الْبِرِّ قَالَ ـ الرَاوي ـ : فَصَاحَ هَمَّامٌ صَيْحَةً ، ثُمَّ وَقَعَ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ . فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : ” أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ ” وَ قَالَ : ” هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوْعِظَةُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا “
الصبر ثلاثة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الصبر ثلاثة ، صبر عند المصيبة وصبر على الطاعة ، وصبر عن المعصية . فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض . ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش ومن صبر على المعصية كتب الله له تسع مائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش ) . ما أعظم هذا الموقف !
من هو المؤمن ؟
روى أَبو حَمْزَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أنه قَالَ : الْمُؤْمِنُ يَصْمُتُ لِيَسْلَمَ ، وَيَنْطِقُ لِيَغْنَمَ لا يُحَدِّثُ أَمَانَتَهُ الْأَصْدِقَاءَ وَلا يَكْتُمُ شَهَادَتَهُ مِنَ الْبُعَدَاءِ ، وَلا يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الْخَيْرِ رِيَاءً وَلا يَتْرُكُهُ حَيَاءً ، إِنْ زُكِّيَ خَافَ مِمَّا يَقُولُونَ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ ، لا يَغُرُّهُ قَوْلُ مَنْ جَهِلَهُ ، وَ يَخَافُ إِحْصَاءَ مَا عَمِلَهُ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *