انتصار الحق على الباطل

من معالم الصراع بين الحق والباطل “انتصار الحق على الباطل في نهاية الصراع” بعد أن يتراوح المؤمنون في هذا الصراع بين النصر والهزيمة ، ويطول البلاء على المؤمنين، ويشتد الكرب. يتمخّض عن هذا كله انتصاراً واضحاً وساحقاً للحق وأهله على الباطل بكل أشكاله وألوانه ، فينصر الله الضعفاء من المؤمنين ، ويمكّن لهم في الأرض ، ويعز الله جنده ويثبّت أولياءه ويُعلي الله كلمته ، ويرفع رايته ، ويهزم أعداءه ويجعل الدائرة عليهم
والهزائم تلاحقهم في كل مكان ، وفي أثناء ذلك ، يسقط الطغاة ، ويكثر بعد ذلك أتباع هذا الدين وتنتشر الفضيلة ، وتحارب الرذيلة ، ويعمّ الخير ويزول الشر . ويعيش الناس في ظل هذا الدين في مأمن وسلام ، بعد أن ذاقوا الخوف والجوع والحروب والويلات ، والقرآن الكريم بيّن هذا في آياته بوسائل مختلفة ، وأساليب متنوعة وطرقاً متعددة ، فتارة بآية قرآنية صريحة وتارة أخرى بإشارة قرآنية خفية ، وفي موضع بقصة قرآنية ، وفي موضع أخر بمثلٍ قرآني ، ومن الواقع والتاريخ نماذج متعددة ، وصوراً جليّة تكشف عن هذه الحقيقة مما لا يترك مجالا للشك في عدم وقوعها ، بل هو اليقين الثابت والحق الجازم ، والسنة الجارية ، بل هو وعد الله ، والله لا يخلف الميعاد ، فنصر الله قادم ، وفرجه قريب ، وما بعد العسر إلاّ اليسر ، وما بعد الضيق إلاّ الفرج .
إن واقع المسلمين اليوم ، وما يتعرضوا له من محن وابتلاءات ، وضيق وكرب يتطلب البحث عن العلاج الذي يخفف الآلام ، ويلملم الجراح ، ويواسي المستضعفين ، وفي القرآن الكريم الزاد المعين على ذلك ، وفيه من آيات التثبيت ما يجعل البلاء قُربة يتعبد الله بها ، فالقرآن نورٌ وضياء ، ودستورٌ ومنهاج ، وأملٌ وحياة ، يبعث النفس على الاستعلاء على الباطل مهما عَظُم وتجبر ، جاء في كثير من الآيات القرآنية تقرير انتصار الحق على الباطل ، بل أمر الله رسوله الكريم أن يعلنها واضحة صريحة بقوله تعالى : { وقل جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا } الإسراء 81 . بهذا السلطان المستمد من الله ، أعلن مجيء الحق بقوته وصدقه وثباته وزهوق الباطل واندحاره وجلاءه ، فمن طبيعة الصدق أن يحيا ويثبت ومن طبيعة الباطل أن يتوارى ويزهق { إن الباطل كان زهوقا}، حقيقة يقررها بصيغة التوكيد ، وإن بدا للنظرة الأولى أن للباطل صولة ودولة فالباطل ينتفخ وينفش ، لأنه باطل لا يطمئن إلى حقيقة ، ومن ثم يحاول أن يموه على العين ، وأن يبدو عظيماً كبيراً ضخماً راسخاً ، ولكنه هش سريع العطب زاهق { إن الباطل كان زهوقا } لأنه لا يحمل عناصر البقاء في ذاته إنما يستمد حياته الموقوتة من عوامل خارجية ، فإذا تخلخلت تلك العوامل تهاوى وانهار . أما الحق فمن ذاته يستمد عناصر وجوده . وقد تقف ضده الأهواء ، وتقف ضده الظروف ، ويقف ضده السلطان ، ولكن ثباته واطمئنانه يجعل له العقبى ، ويكفل له البقاء ، لأنه من عند الله الذي جعل ” الحق ” من أسمائه وهو الحي الباقي الذي لا يزول . فالباطل زاهق ومن ورائه الشيطان ، ومن ورائه السلطان . ووعد الله أصدق وسلطانه أقوى . وما من مؤمن ذاق طعم الإيمان ، إلا وذاق معه حلاوة الوعد ، وصدق العهد . ومن أوفى بعهده من الله ؟ ومن أصدق من الله حديثاً ؟ وبمثل هذا التوجيه الرباني ، يأمر الله نبيه أن يلقي هذه الحقيقة قذيفة في وجه الباطل وأهله ، إذ يقول الله تعالى :{ قل إن ربي يقذف بالحق علاّمُ الغيوب ، قل جاء الحق وما يُبديءُ الباطلُ وما يعيد } سبأ49 . أي فهذا ” الذي جئتكم به الحق . الحق القوي الذي يقذف به الله ، إنه تعبير مصور مجسم متحرك . وكأنما الحق قذيفة تصدع وتنفذ ، ولا يقف لها أحد في طريق يقذف بها الله عن علم ، ويوجهها على علم ، ولا يخفى عليه هدف ، ولا تغيب عنه غاية ، ولا يقف في وجه الحق الذي يقذف به معترض ، فالطريق أمامه مكشوف ، ليس فيه مستور ! جاء هذا الحق في صورة من صوره ، في الرسالة المحمدية ، وفي قرآنها ، وفي منهجها المستقيم . قل : جاء الحق . جاء بقوته ، جاء باستعلائه وسيطرته { وما يبديء الباطل وما يعيد } قد انتهى أمره . وما عادت له حياة ، وما عاد له مجال ، وقد تقرر مصيره وعرف أنه إلى زوال ، إنه الإيقاع المزلزل ، الذي يشعر من يسمعه أن القضاء المبرم قد قضى ، وأنه لم يعد هناك مجال لشيء آخر يقال ، وإنه لكذلك . فمنذ جاء القرآن استقر منهج الحق واتضح . ولم يعد الباطل إلا مماحكة أمام الحق الواضح الحاسم الجازم . ومهما يقع من غلبة مادية للباطل في بعض الأحوال والظروف ، إلا أنها ليست غلبة على الحق . إنما هي غلبة على المنتمين إلى الحق . غلبة الناس ، لا المبادئ . وهذه موقوتة ثم تزول . أما الحق فواضح بيّن صريح . وبمثل هذا التقرير يقول الله تعالى:{ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق } الأنبياء 18 . إذاً ” هذه هي السنة المقررة ، فالحق أصيل في طبيعة الكون ، عميق في تكوين الوجود . والباطل منفي عن خلقة في هذا الكون أصلاً ، طارئ لا أصالة فيه ، ولا سلطان له ، يطارده الله ويقذف عليه بالحق فيدمغه . ولا بقاء لشيء يطارده الله ، ولا حياة لشيء تقذفه يد الله فتدمغه ! ولقد يخيل للناس أحياناً أن واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العليم الخبير . وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشاً كأنه غالب ، ويبدو فيها الحق منـزوياً كأنه مغلوب . وإن هي إلا فترة من الزمان ، يمهد الله فيها ما يشاء للفتنة والابتلاء . ثم تجري السنة الأزلية الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض ، وقامت عليها العقائد والدعوات سواء بسواء ، والمؤمنون بالله لا يساورهم الشك في صدق وعده ، وفي أصالة الحق في بناء الوجود ونظامه وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه ، فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حيناً من الدهر ، عرفوا أنها الفتنة ، وأدركوا أنه الابتلاء وأحسوا أن ربهم يربيهم ، لأن فيهم ضعفاً أو نقصاً ، وهو يريد أن يعدّهم لاستقبال الحق المنتصر ، فيدعهم يجتازون فترة البلاء ليستكملون فيها النقص ويعالجون فيها الضعف ، وكلما سارعوا إلى العلاج ، قصّر الله عليهم فترة الابتلاء وحقق على أيديهم ما يشاء . أما العاقبة فهي مقررة :{ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق } والله يفعل ما يريد ، بل جعل الله تعالى انتصار الحق على الباطل من محض إرادته تعالى ولا راد لحكمه وقضائه فقال تعالى:{ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } الأنفال 7 ، وقوله تعالى : { ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون } يونس 82 ، وقوله :{ ويمحق الله الباطل ويحق الحق بكلماته ، إنه عليم بذات الصدور } الشورى 24 . وهذا كله موقوت بأمر الله :{ فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون } غافر 78. آيات تقرر بوضوح إرادة الله في انتصار الحق على الباطل ، وأن الحق أصيل وغالب ، وأن الباطل ضعيف طارئ ، لا أصل له ولا أساس ، وأن الله وراء المعركة القائمة بين أهل الحق وأهل الباطل ، الذي يقودها بإرادته ، ويحكم في نهايتها بانتصار الحق على الباطل ، وبهذا تطمئن النفوس ، وتهدأ الضمائر ، ويزول الشك ، ويحل محله اليقين ، فالله مع أهل الحق ، ينصرهم ويؤيدهم ، ويعينهم ، ولا ينسى عباده ، ولا يتخلى عنهم بل يقف إلى جانبهم ، فيحق الحق ويبطل الباطل ويمحوه ، حتى لا يعود له أثر ولا وجود.
إن معركة المصير التي قضى الله أن لا تَخْبُوَ نارُها ولا تخمد جذوتها ولا يسكن لهيبها، بل تظلُّ مستعرةً حتى يرث الله الأرض ومن عليها، هي معركة الحق مع الباطل ، والهدى مع الضلال ، والكفر مع الإيمان. وإن هذه المعركة في واقعها انتفاضةُ الخير أمام صولةِ الشر ، في كل صوره وألوانه، في كل زمان ومكان ، مهما اختلفت راياته وكثر جنده ، وعظم كيده وأحدق خطره وهي لذلك ليست وليدةَ اليوم بل هي فصولٌ متعاقبة موغلةٌ في القدم يرويها الذكر الحكيم، تبصرةً وذكرى للذاكرين، وهدى وموعظة للمتقين ومِن سننِه جلّ وعلا أنَّ الحقّ والباطلَ في هذه الدنيا في صراعٍ دائم مستمِرّ، ليستبينَ مَن هو صادقُ الإيمان قويّ اليقين ، مِمّن يعبُد اللهَ على حرف، فإن أصابه خيرٌ اطمئنَّ به ، وإن أصابته فتنةٌ انقلبَ على وجهِه خسر الدنيا والآخرة . ومِن تلك السنن أن ابتلى عبادَه المؤمنين ؛ بأعدائِهم ليظهرَ مَن كان صادقًا ثابتًا على الحقّ يقول الله تعالى :{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِين َ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَـٰرَكُمْ } محمد31 ويقول الله تعالى: { وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } محمد 4 ويقول : { مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ }آل عمران 179. ومِن سننِه تعالى أنّ هذا الدينَ سيظلّ إلى أن يرِث الله الأرضَ ومن عليها ، خاتمة الأديانِ كلِّها، فعنه r قال: (ولا تزال طائفةٌ من أمّتي ظاهرين على الحقّ، لا يضرّهم من خذلهم ولا مَن خالفهم حتى يأتيَ أمر الله وهم على ذلك ) . فأيّ قوةٍ مهما عظُمت على وجه الأرض لن تستطيعَ القضاء على هذا الدّين قال تعالى:{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } الحجر 9 وقال تعالى :{ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } الصف 8 . فكم تعرَّضت الأمّة لحملاتٍ من أعدائها على اختلاف القرون ، ولكن لا يزال هذا الدينُ ظاهرًا قويًّا، مَن تمسَّك به ودعا إليه ورفع رايتَه فالعزُّ والتوفيق من الله له قال تعالى:{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ } غافر51 وقال:{ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } الصافات171 وما على المؤمنِ أن يأخذَ بأسباب النّصر والتمكين، حيث يقول تعالى :{ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ } الحج40 ويقول :{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ } محمد 7 .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *