اهتمام المسلم بالسياسة

تأتي السياسة في مقدمة الأمور التي اهتم بها العلماء المسلمون حتى جعلوا باب الإمامة من أبواب العقيدة. لأن السياسة جزء من الدين، ولا صحة لمن يقول لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين ، لأن الإصلاح السياسي يبدأ من أسفل، بتعليم الشعب وتطهيره من الرذائل، إذ يضع الإسلام في عنق كل مسلم فريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم، وقد جاءت النصوص النبويةُ تُحرِّض على مقاومة الفساد في الداخل، واعتبرته أفضل من مقاومة الغزو من الخارج، فيقول صلى الله عليه وسلم حين سئل عن أفضل الجهاد قال : ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر )، وذلك لأن فساد الداخل هو الذي يمهِّد السبيل لعدوان الخارج ويعتبر الشهادة هنا من أعلى أنواع الشهادة في سبيل الله: ( سيد الشهداء حمزة، ثم رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ) . كما يغرس في نفس المسلم رفض الظلم، والتمرُّد على الظالمين حتى إنه ليقول في دعاء القنوت المروي عن ابن مسعود : ( نشكرك الله ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يَفجرُك ) .وجاء الترغيب الإلهي في القتال لإنقاذ المُضطهدين والمُستضعفين في الأرض، بأبلغ عبارات الحثِّ والتحريض، فيقول الله تعالى : ﴿ وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ﴾ النساء75. ويصبُّ جام غضبه وشديد إنكاره على الذين يقبلون الضَّيم، ويرضون بالإقامة في أرض يهانون فيها ويظلمون، ولديهم القدرة على الهجرة منها والفرار إلى أرض سواها فيقول الله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً ﴾النساء97. وحتى العجزة والضعفاء قال القرآن في شأنهم: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُم ﴾ فجعل ذلك في مَظِنَة الرجاء من الله تعالى، زجرًا عن الرضا بالذل والظلم ما وجد المسلم إلى رفضه سبيلاً. وحديث القرآن المُتكرِّر عن المُتجبرين في الأرض من أمثال فرعون، وهامان، وقارون ، حديث يملأ قلب المسلم بالنقمة عليهم، والإنكار لسيرتهم والبغض لطغيانهم، وحديث القرآن والسنة عن السكوت على المنكر، والوقوف موقف السلب من مقترفيه -حكامًا أو محكومين- حديث يُزلزل كل من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. يقول القرآن : ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ﴾المائدة 78 . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكرًا فليُغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) . ومن الخطأ الظن بأن المنكر ينحصر في الربا والزنى وشرب الخمر وما في معناهما ، فالاستهانة بكرامة الشعب ، وسرقة المال العام ، واحتكار السلع التي يحتاج إليها الناس لصالح فرد أو فئة ، واعتقال الناس بغير جريمة وتعذيب الناس داخل السجون والمعتقلات ، ودفع الرشوة وقبولها والتوسط فيها وتملُّق الحكام بالباطل ، وموالاة أعداء الله وأعداء الأمة من دون المؤمنين ، ذلك كله منكر وأي منكر وإن دائرة المنكرات تتَّسع وتتَّسع لتشمل كثيرًا مما يعدُّه الناس في صُلب السياسة. فهل يَسَع المسلم الحريص على مرضاة ربه، أن يقف صامتًا؟ أو ينسحب من الميدان هاربًا، أمام هذه المنكرات وغيرها ، خوفًا أو طمعًا، أو إيثارًا للسلامة؟ إن مثل هذه الروح إن شاعت في الأمة فقد انتهت رسالتها وحُكِم عليها بالفناء، لأنها غَدَت أمة أخرى، غير الأمة التي وصفها الله بقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾آل عمران110 . ولا عجب أن نسمع هذا النذير النبوي للأمة في هذا الموقف إذ يقول: ( إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم : يا ظالم فقد تُودِّع منهم ) أي فقدوا أهلية الحياة ، فالمسلم مطالب -بمقتضى إيمانه- ألا يقف موقف المتفرج من المنكر، أيًا كان نوعه : سياسيًا كان أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا، بل عليه أن يقاومه ويعمل على تغييره باليد إن استطاع، وإلا فباللسان والبيان، فإن عجز عن التغيير باللسان انتقل إلى آخر المراحل وأدناها، وهي التغيير بالقلب، وهي أضعف الإيمان ، كما جاء في الحديث . وإنما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم تغييرًا بالقلب لأنه تعبئة نفسية ضد المنكر وأهله وحماته، وهذه التعبئة ليست أمرًا سلبيًا محضًا، كما يتوهم، ولو كانت كذلك ما سماها الحديث تغييرًا . وهذا التعبئة المستمرة للأنفس ، والمشاعر والضمائر ، لا بد لها أن تتنفَّس يومًا ما، في عمل إيجابي، قد يكون ثورة عارمة أو انفجارًا لا يُبقى ولا يذر، فإن توالى الضغط لا بد أن يُولِّد الانفجار، سنة الله في خلقه. وإذا سمى الحديث هذا الموقف ، تغييرًا بالقلب فإن حديثًا نبويًا آخر سماه ، جهاد القلب ، وهي آخر درجات الجهاد، كما أنها آخر درجات الإيمان وأضعفها، فقد روى مسلم عن ابن مسعود مرفوعًا: ( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خُلُوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمَن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس ذلك من الإيمان حبة خردل ) . وقد يعجز الفرد وحده عن مقاومة المنكر وخصوصًا إذا انتشر شراره وقَوِي فاعلوه، أو كان المنكر من قِبَل الأمراء ، الذين يفترض فيهم أن يكونوا هم أول المحاربين له، لا أصحابه وحرَّاسه وهنا يكون الأمر كالمثل القائل : حاميها حراميها، أو كما قال الشاعر :
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها ذئاب؟!
وهنا يكون التعاون على تغيير المنكر واجبًا لا ريب فيه، لأنه تعاون على البر والتقوى، ويكون العمل الجماعي للتغيير ، فريضة يوجبها الدِّين، كما أنه ضرورة يُحتِّمها الواقع ، به يتحقق للأمة وجودها الآمن ، وإلا عمهم الله بعقاب من عنده : ( واتَّقوا فتنة لا تُصيبَنَّ الذين ظلمُوا منْكُم خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ الله شديدُ العقابِ ﴾ الأنفال 25 . وقد فسرها ابن عباس بقوله : ” أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم ، فيعمهم الله بالعذاب ” . وإن من عهد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الأخذ على أيدي الظالمين والمفسدين في الأرض ، فإن لم نفعل سلَّط الله علينا عدواً من غيرنا ، وقد فعل ، لأن تغيير المنكر والأخذ على يد الظالم ، وردع المفسدين هي الفريضة الموءودة في أمتنا ، وإذا لم يقم كل منا أفراداً وأمة بتغيير هذا المنكر ، فإن الدمار هو عقبى السوء ، يقول عليه الصلاة والسلام : ( إن الناس إذ رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ) .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *