لم تكن الأحداث التي وقعت في العالم العربي هي الأولى ، ولن تكون الأخيرة فالتاريخ حافلٌ بأقدار من الخير والشرّ ، دارت بشأنها سنن وجرت بسببها ابتلاءات ، وحصلت بعدها تغييرات في أحوال الأمم والمجتمعات ، وإذا كان لهذه الأحداث تأثيرٌ علينا ، فما هو المطلوب منا ؟ ومتى نُعِدُّ للأمر عدته ؟ ولماذا لا نكون كالجسد الواحد يشدُّ بعضه بعضاً ؟ إذا علمنا أن أطرافاً عديدة غربية وعربية ، اتهمت أمريكا في تحريك الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية من خلال تدريب الناشطين السياسيين العرب على التظاهر السلمي ، والعمل على إسقاط الأنظمة الاستبدادية بطرق سلمية ، لكن أمريكا تعاملت مع كل ثورة عربية بمعزل عن الأخرى ، بالرغم من إن الهدف واحد ، وهو إسقاط الأنظمة الاستبدادية ، واستبدالها بأنظمة ديمقراطية جديدة وتسعى أمريكا أن تضع هذه الأنظمة الجديدة تحت لوائها وسيطرتها ، والتصريحات التي تصدر تحمل في صريح عباراتها ، الحقد والكراهية وحب الانتقام كما تعكس ما تنطوي عليه نفسيتهم من كره للإسلام والمسلمين ، وما يمكرون ويخططون ، فقد صرح بذلك كثير من الكتاب ، في إشارة إلى أن أمريكا ربما ترعى هذه الثورات العربية لمقاصد كثيرة من أهمها شغل العرب عن القضية الفلسطينية والحفاظ على أمن إسرائيل .
أما في حالة وصول نظام حكم غير مرغوب فيه أمريكيا, فإن الخطة الأمريكية لإسقاطه جاهزة عبر الوسائل الديمقراطية أيضا, وهو ما أشار إليه كتاب صادر عن أحد المؤسسات الأمريكية الشهيرة في الولايات المتحدة, وهي مؤسسة بيت الحرية في واشنطن , والتي يرأسها شخص يهودي هو بيتر أكرمان, هذه المؤسسة التي تحصل على تمويلها من الخارجية الأمريكية, وتعمل على نشر فكرة تغيير الأنظمة بصورة ديمقراطية غير عنيفة ، من خلال دعم مراكز حقوق الإنسان, وبعض الصحف المستقلة على مستوى العالم. ولقد أصدرت هذه المؤسسة كتيبا بعنوان: “كيفية الفوز بالحرية ” قام نائب أكرمان ، السفير مارك بالمر بعرضه أمام لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشيوخ “يونيو2006″.والكتاب يتضمن 67 طريقة لقلب نظم الحكم بصورة سلمية من خلال منظمات المجتمع المدني ، بتكتيكات المقاطعة والمظاهرات الكبرى وتعطيل المرور والإضرابات والاعتصامات والعصيان المدني ، وتجريد الحكام من الشرعية وتقليص مصادر دعمهم ، من خلال تحويل ولاءات من يحمونهم من الشرطة والجيش والمخابرات والمطالبة بزيادة الدعم المالي لنشطاء حقوق الإنسان في المناطق المرغوب التخلص السريع من أنظمتها السياسية ، وتدبير وسائط الإنترنت والهاتف المحمول لتسهيل الاتصالات الدولية بين النشطاء ، الذين سيقومون بالانقلاب ، وبين داعميهم في الخارج وزيادة تمويل الإعلام المستقل الموجه أمريكيا ، بنحو100 مليون دولار سنويا وتسليمها لنشطاء حقوق الإنسان ، وتوصيل الدعم المالي مباشرة للنشطاء الشبان في المرحلة الوسطي من العمر”. هذا الكلام الهام الصادر عام 2006 يكشف عن التكتيكات الأمريكية في التعامل مع النظم غير المرغوب فيها أمريكيا ، وإذا خرجت الثورة من براثن وأنياب واشنطن, فإنها ، تتربص ما ستسفر عنه مرحلة ما بعد الثورة, فإذا أفرزت نظاما يحقق لها مصالحها ومصالح إسرائيل بالتبعية ، فلا بأس في ذلك, أما إذا كان الأمر خلاف ذلك, فإن خطة” بيت الحرية” جاهزة للتطبيق مع إدخال بعض التعديلات عليها. ونحن نتألم على هذا الواقع المرير حيث أُصيبت الأمة بالإحباط ، وهي ترى مساندة الكفر وأهله من قبل فئة من المسلمين ، الأمر الذي يتنافى مع مبادئ ديننا لما روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال الرجل : هلك الناس فهو أهلكهم ) . إن مساندة دول الكفر معصية ومخالفة لله وعدم إحساس بالمسؤولية وضعف بالانتماء للإسلام ، لذا كانت مواقف المسلمين المؤيدين لما يتخذون من قرارات جائرة ضد الإسلاميين ، سلبية تدفعهم إلى اللامبالاة بالأحكام الشرعية والاستهانة بشعوبهم وعدم الاكتراث بمشاعرهم ، والوقوف إلى جانب المجرمين الذين عاثوا في الأرض فساداً وتلوثوا بدماء الأبرياء . متجردين من وازع الخوف من الله تعالى والالتجاء إليه والاعتماد عليه ، لأن قلوبهم امتلأت تعظيماً لأعداء الله وثقة بهم ، وقد تعاموا على إدراك الوقائع والأحداث ، ناسين أن الارتماء على أعتاب دول الكفر من علامات الخزي والخذلان ، ومتناسين تكفل أهل الكفر بتفكيك العالم الإسلامي ، وفرص سيادتهم عليه ، ونهب ثرواته وتصدير نظمهم إليه ، وفرض القرارات الجائرة عليه وربطه بالسياسة والاقتصاد والحصار ، لتأخذ صفة الإلزام حتى يردوا المسلمين عن دينهم ، وهذا ما أخبر به سبحانه وتعالى : ﴿ ودَّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ﴾ البقرة 109 ، الذين أهملوا الواجب المطلوب منهم من مدافعة الشر ، ومقاومة أهل البغي والظلم ، بكل ما أوتوا من قوة عملاً بقوله تعالى: ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ ، فالسلاح وبناء الجيوش قوة ، والكلمة الجريئة التي تفضح مخططات الأعداء والمنافقين قوة والإلحاح على الله بالدعاء على الأعداء والتمسك بالإسلام والدعوة إليه قوة ، أما التخلي عن أحكام الإسلام لإرضاء الأعداء ، أو تفصيل شريعة الإسلام على أهواء الناس ومطالبهم أو الوقوف موقف المتفرج لما يعانيه المسلمون فهو ضعف يمقته الله . وقد انشغل العالم بهذه الثورات بعيداً عن الهم الفلسطيني ، الذي بدا إسلامياً ثم غدا عربياً وأصبح أخيراً هماً فلسطينياً وحيداً طريداً لإسرائيل ، التي انفردت بالفلسطينيين في إطار عمليات داخلية بحتة لا شأن للمجتمع الدولي بها ، وقد قامت إسرائيل بقتل من قتلت واعتقال من اعتقلت ، والمسلمون يتفرجون وعلى ما يجري صامتون . إن ما يواجه المسلمين اليوم ، مصيبة أكبر من أي كلام بلا عمل ، ومن أي عمل بلا فقه ، ومن أي فقه بلا إخلاص ، وهي أخطر من أن تطغى فيها الاجتهادات الفردية أو العصبيات الحزبية أو النعرات القومية والوطنية والقبلية إنها أشق من أن تتحمل مسئوليتها جهة واحدة ، وأدق من أن تقوم بشأن مواجهتها دولة واحدة ، إنها بحاجة إلى تحرك على مستوى كل المسلمين ، بعد أن يعلنوا الولاء الصادق لله ورسوله وعندها مهما طال زمن المواجهة وعظمت مشقتها ، ومهما كثرت الخسائر فالعاقبة للإسلام ، رغم كل الضغوط التي تصب ظلماً وعدواناً ضده ، وضد الداعين إلى التحاكم الى شريعة الله ، نعم إن دين الله باق مهما استبد الطغاة الحاكمون بأمرهم في حرب الإسلام ودعاته ، وهذه حقيقة علمنا إياها الله سبحانه بقوله: ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ﴾ التوبة 33 . ورغم أن كيد الأعداء ضد الإسلام ودعاته مستمر ، إلا أن عاقبتهم الخسران والدمار لأن الإسلام قادم رغم كل السدود والعوائق والقيود ، وصدق الله ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ الأنبياء 105 .
