بالدعوة إلى الله يكون نجاحنا وفلاحنا

الدعوة إلى الله : هي الدعوة إلى الإيمان به وبما جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا ، أوهي دعوة الناس إلى الإسلام بالقول والعمل ، والدعوة إلى اللَّـه مطلوبة؛ لأنها تعليم وتربية، وعليها عماد السعادة في الدنيا والآخرة، أمر اللَّـه بها نبيه فقال تعالى : }دع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن { علمنا الله تعالى في القرآن أن طريقة رسله في نشر الدين إنما هي الدعوة إليه، وأنها الطريقة المثلى لنشر الإسلام ، وأن من شروط الدعوة وآدابها لمن يوفقه الله تعالى من فضلاء المسلمين وعلمائهم وأهل الغيرة والحمية منهم، لإقامة هذا الركن الأعظم، والتصدي لإرشاد الذين يتشدقون بكلمة لإسلام ، ولا يعلمون مسماها ويتمسكون بلفظها ولا يفقهون حقيقة معناها، وأن من يتصدر الدعوة لكل ما جاء به الدين ، لابد أن تكون عنده الكفاءة ، لأن الداعي الجاهل قد يفتري على اللَّـه الكذب، فيضل ويضل، والنهي عن ذلك موجود في نصوص كثيرة، ويكفي منها حديث: ( إن اللَّـه لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جهّالاً فأفتوهم بغير علم فضلوا وأضلوا ) رواه الترمذي وحسنه . ولأن الداعي لا بد أن يتعرض لمواقف متعددة ، فلابد أن يكون مسلحًا فيها بكل الأسلحة التي ينجح بها في دعوته كالدعاة الذين يوفَدون لنشر الثقافة الإسلامية بين الأقليات، أو لنشر الدين بين من لا يؤمنون به. ومن هنا كان وجوب الدقة في اختيار من تسند إليهم هذه المهمة، على أساس التمكن العلمي، والدراية الفنية بأسلوب الدعوة المتمثل في الحكمة والموعظة الحسنة ، فهناك من الدعاة من لم يعط الدعوة حقها من الرعاية ، فطاشت سهامهم وخسرت أيامهم وزادوا شمل الأمة تفريقا، على أن منهم من دعا إلى حق ، ولكن بغير حكمة ولا مراعاة لما تقتضيه سياسة الأمة، وأمرَ بمعروف ، ولكن على غير المنهج المعروف ونهى عن منكر ، ولكن على غير الوجه المألوف ، وقد علمتنا الآية الكريمة أن للدعوة طريقتين: الحكمة والموعظة الحسنة. فأما الحكمة فهي لخطاب العقل بالبرهان ، وأما الموعظة الحسنة فهي للتأثير في النفس بمخاطبة الوجدان، ولا يحتاج إلى الطريقتين إلا من يدعو إلى حق موافق لمصلحة الناس الحقيقية ويراعي في أصل الدعوة شروطاً أحدها : العلم بلغة من يراد دعوتهم ومجادلتهم، ولهذا ترى دعاة النصرانية يتعلمون جميع اللغات وينقلون إليها كتبهم الدينية، مع أن بعض الدعاة المسلمين يرون في تعلم اللغات إعراضا عن الدين ، الذي لا وظيفة لهم إلا القيام بحفظه ونصرته، ونشره وتعميم دعوته ، فكان على الداعية أن براعي أن الجمود على رأى من الآراء غير القطعية ، يجعل الإسلام منعزلاً وسط هذا العصر المملوء بالتيارات والآراء الفكرية المناهضة للإسلام ، وإذا عرف الداعية أن الأصول الثابتة للدين والتي يقام عليها بناء الإسلام قائمة ، وأن الاعتماد عليها هو الأساس وأن الفروع ما هي إلا مكملات يمكن أن تتغير فيها وجهات النظر بقصد زيادة الدين كمالاً فوق كمال، أوعلى الأصح إظهار ما فيه من كمال أصيل يحتاج إلى إبرازه بصورة تتناسب مع أسلوب العصر ، إذا عرف هذا فهو جدير بحمل الدعوة إلى الله .
إننا نرى فئات وفرقٌ، تمارس تساهلاً دعوياً عجيباً، وهزالاً إصلاحياً فريداً، وتماوتاً في الخير لا يمتّ للحزم بصلة؛ حيث يأخذ نمطية الدعة والسهولة، والراحة والليونة، والضعف والنعومة ، وقد صدع شامخاً باللين والتيسير وتسوّد متعاظماً بالبسمة والتبشير، وانبرى جاهداً بالتسلية والتحبيب، بسرد القصص والأحاديث الضعيفة أو الموضوعة تدعيماً لأحاديثه ، فجعل الوسائل غايات، والمقدمات خاتمات، والتوطئات مقاصد ساميات. فلم يفرّق بين مدخل ومقصد، وأصل وفرع، فخلط الفروع بالأصول، والوسائل بالمقاصد، فهانت الأصول، واختلطت المفاهيم، وأضحت الدعوة (مزاداً) يؤمه غيرُ فقيه، ويقصده غير متقن ويقوده غير متمكن ، ممن يسلكون مع المدعوين لطيف الوسائل وخفيفها، وسهلها ولينها ، ولا شك أن مثل هذا المسلك إجحاف بالدعوة، وإقصاء في فهم حقيقتها واتجاهاتها وأهدافها، وجناية على قطوفها وثمراتها وبركاتها ، لأن تجريد الدعوة من العلم خطأ محض، وفكرة شاذة ، بل إنهم ينظرون للعلــم الشـرعي (نظرة تآمرية) فمثلاً يعتقدون كأن العلم محصورٌ في شروط الصلاة، وشروط النكاح والبيع، وأغفلوا جوانب واسعة في العلم مع أن أسلوب الدعوة إلى الإسلام، يتمثل في التركيزعلى العقيدة وقضايا الإيمان الكلية، فمن الدعاة من يتمتّع بالإيمـان والثّقة واليقين، فحمل الأمانـــة وأدِّى الرسالة، وجاهد في الله حقّ جهاده حتّى أتاه اليقين ، ومنهم ضعيف الإيمان يملأه الخوف والتردّد، لا يؤدي الواجب الدعوي كما هو مطلوب ويقول لنفسه: لا أستطيع ، ربّما أفشل ، حاله كحال من قال فيه الشاعر:
كالعير في البيداء يقتلهـا الظّمأ والماء فوق ظهورها محمول
إنهاّ لجريمة قتل أن ننتمي لهذا الدّين ثمّ لا نحسن فهمه، ولا نحسن عرضه ولا نحسن الدّفاع عنـه فمشكلات النّاس ناتجة عن فهم ساذج وعن خلل في العقيـدة ، وما من محنة أو بلية تنزل بساحتنا إلاّ بسبب خطإ في التصوّر والاعتقـاد، وما من مشكلة تصيب الإنسان إلاّ بسبب معصية ارتكبهـا، وما من معصية ارتكبهـا الإنسان إلاّ بسوء تصوّره ، ولو قرأ القرآن الكريم قراءة وتلاوة صحيحة لاكتسب تصوّرا صحيحا. فالحرام والمعاصي والشّبهات مدمّرة، من يقترب منها يحترق، لأنّه إذا صحّت العقيدة صحّ الدين ، وما أكثر التصوّرات الخاطئة عن الدّين وعن الحياة بصفة عامّة. فمثلاً كان تصوٍّر الصّحابة لمفهوم الإفلاس أو المفلس عندما قال لهم رسول الله r : ( أتدرون من المفلس؟ قالوا:المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: المفلس فيكم من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإذا فنيت أخذ من سيّئاتهم ثمّ رُمِيَ به في النّأر )إذن تصورهم لمفهـوم الإفلاس كان خاطئا ، ونحن اليوم الكثير منّا لا يملك تصـوّرًا صحيحا عن الصّلاة والصّيـام والحجّ وعن الإنفاق وعن الدعوة إلى الله ، لذا ينبغي أن ننتبه ونتعلّم جيّدا فقد ثبت في الحديث الشريف : ( من يرِد الله به خيرا يُفقِّهْه في الدّين ) إذن نجاحنا وفلاحنا أن نملك تصوّرا صحيحا للدّيـن، ولمفاهيم وقوانين الحيـاة وما أكثرها! أنظر للمسلميـن اليوم كيف يفهمون الدّين فهما سطحيا ساذجا. التصوٍّر والاعتقاد الصّحيح معناه مستحيل أن تعصيه وتربـح وبالمقابل مستحيل أن تطيعه وتخسر ، ولكن للأسف الشّديد الكثير ممّن يملكون تصوّرا خاطئا عن حقيقة دينهـم ، تصوّروه شعائر تعبّديـة فقط ، الدّين عندهم شعـارات، ففصلوا الدّين عن السّلوك، فهموه عبادات فقط وما فهموه ورعاً وخشيةً وأمانةً ، وما فهموه ليس مجرد استماع لكلام الدين والإيمان ، لأن مجرد السماع وحده لا يكفي في إقامة الحجة، إذا احتاج السامع إلى المزيد من الإِيضاح والمناقشة والتفكير ، ولذلك فإننا نفهم من سماع كلام الله المعنى الذي يحقق للسامع كل عناصر القناعة الفكرية، بحيث لا يبقى لديه شيءٌ يريد أن يسأل عنه أو يستوضحه، فإذا لم يذعن بعد ذلك، كان متمرّداً أو جاحداً بلا أساس، لأنَّ القضية ـ في الدعوة ـ ليست مجرد كلمات تُقال أو تُسمع بطريقة تقليديّة جامدة، بل هي قضية عقيدة يُراد لها أن تتركز وتتعمّق في فكر الإنسان وروحه وضميره ، ولهذا كان من مهمّة الدعاة إلى الله أن يعملوا على رفع مستواهم الفكري وتوجيههم إلى السُّبُل التي تقودهم إلى آفاق المعرفة الواسعة المنفتحة على وحي الله وشريعته.
إن من الدعاة من لم يفرقوا بين الدعوة للإسلام بشكل عام وبين الدعوة إلى تطبيق الإسلام ، في مجتمع بحاجة إلى التغيير ، والتغيير لا يكون بتناول جزء بسيط من الإسلام والحث عليه وترك الكل من الإسلام ، فمن لا يدعو إلى الإسلام كاملا ويتحدث عن الصلاة وفضائلها وعن الصيام والطاعات وقيام الليل وفضل صلاة الجماعة وسنة السواك ، ويعرضون عن آيات القران التي تدعو إلى تطبيق شرع الله كاملا، ويتجنبون أن يأمروا ويأتمروا بطريقة الرسول في الدعوة إلى الله ، ويبتعدون كل البعد عن السياسة وكان الدين لا علاقة له بها ، قيل للحسن البصري: إن فلاناً لا يعظ , ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل فقال الحسن: وأينا يفعل ما يقول؟ ودّ الشيطان لو ظفر بهذا, فلم يُؤمر بمعروف ولم يُنه عن منكر. ولقد أحسن القائل :
لئن لم يعظ العاصين من هو مذنبُ فمن يعظ العاصين بعد محمدُ
فالعمل المجدي هو حمل الدعوة كما حملها رسول الله r وتركيز مفاهيم الإسلام ، وترسيخ العقيدة في قلوب المسلمين ، وحمل كل الإسلام لأن الإسلام ليس عبادات فقط بل هو عقيدة وشريعة ومنهج حياة ، والرسول r لم يدع إلى العبادات وحدها ، وان كان في الدعوة إليها خيرا عظيما ، فما عُذِّب أصحاب رسول الله r على الدعوة إلى العبادات ، إنما عذب بلال وعمار وغيرهم من الصحابة الكرام على الدعوة إلى العقيدة الإسلامية التي امنوا بها ، ولم يكن هم الرسول r يتركز على حث الناس على الصلاة والصيام ، بل كان صراعا فكريا مع الكفر و كان كفاحا سياسيا مع الأنظمة وكان دعوة للكفار إلى الإسلام } قل هذه سبيلىَ أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنىَ { 108 يوسف .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *