البركة: هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء؛ فإذا حلت في قليل كثرته، وإن حلت في كثير نفعته ، والبركة مع التقوى مفتاح كل خير، قال تعالى:﴿ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ﴾ الأعراف96 . وعرف العلماء التقوى: بأن تعمل بطاعة الله، على نور من الله ، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، وتخاف عقاب الله ، قيل لأحد الصالحين: إن الأسعار قد ارتفعت ، قال: أنزلوها بالتقوى ، وقد قيل: ما احتاج تقي قط ، وقيل لرجل من الفقهاء الله يقول : ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ الطلاق2 ، فقال الفقيه: والله إنه ليجعل لنا المخرج ، وما بلغنا من التقوى ما هو أهله، وإنه ليرزقنا وما اتقيناه، وإنا لنرجو الثالثة: ﴿ومن يتق الله يكفر عنه سيئاتِه وَيُعْظِم له أجرا﴾ الطلاق 5.
فالإيمان والتقوى بابا النعم ، ونقصهما مفتاح النقم : ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ الأعراف96 وبالإيمان والتقوى تكون البركة ، التي هي خير ونماء واستقرار ورخاء ، تكون مع القليل فيكْثُر ، ومع اليسير فَيُنْتفَعُ به؛ يأتي الرزق ومعه الأمن والصلاح والرضا والقناعة والارتياح، قد نجد إنساناً أعطي من الأموال الكثير الكثير ، فتنزع منه البركة، فيكون المال سبباً لشقاء صاحبه في الدنيا قبل الآخرة ، قد يملك آلاف الملايين ولكنه لا ينتفع بها ، لأن البركة منزوعة منها ، ونجد إنساناً لا يملك إلا مرتبه ن الذي لا يوصله إلى آخر الشهر ، ولكن الله يبارك له في هذا القليل، فيعيش حياة طيبة سعيدة هو وأسرته.
هذا الباب لو أغلقه الله علينا ، وفتح لنا كل أبواب الدنيا، من المال والولد والجاه والسلطان والصحة فما هو نافعنا بشيء، لأننا سنعاني من الضيق والكرب والشدة والقلق والعناء ، بخلاف ما إذا فتح لنا أبواب رحمته وبركاته، فإننا سنكون بكل خير، على الرغم من قلة المرتب، وضيق المسكن، وانعدام الولد وضعف الجاه .
قد يسأل سائل ، كيف نحصل على البركة وما الطريق إليها ؟ طريقها واحد لا يتعدد ، والحصول عليه لا يتعثر، إنه طريق الإيمان والتقوى ، أما الإيمان بالله فتصديق ويقين واستسلام ، وقول وعمل وعبودية لله رب العالمين، وأما التقوى فهي يقظة واعية ، ومراقبة دائمة ، وحين يجتمع الإيمان والتقوى وحين تتحقق العبودية لله ، وتسير النفس بما يرضي الله ؛ حينئذ تستحق رضا الله ومحبته؛ وعندها تحفُّها البركة، ويعمُّها الخير ويظلُّها الفلاح. ذكر الشيخ على الطنطاوي : أن شاباً فيه تقى وفيه غفلة ، طلب العلم عند أحد الشيوخ ، حتى إذا أصاب منه حظاً ، قال الشيخ له ولرفقائه: لا تكونوا عالة على الناس ، فإن العالم الذي يمد يده إلى أبناء الدنيا ، لا يكون فيه خير، فليذهب كل واحد منكم وليشتغل بالصنعة التي كان أبوه يشتغل بها، وليتق الله فيها ، وذهب الشاب إلى أمه فقال لها: ما هي الصنعة التي كان أبي يشتغل بها ؟ فاضطربت المرأة وقالت: أبوك قد ذهب إلى رحمة الله ، فما بالك وللصنعة التي كان يشتغل بها ؟ فألحّ عليها، وهي تتملص منه، حتى إذا اضطرها إلى الكلام، أخبرته وهي كارهة ، أنه كان لصاً! فقال لها: إن الشيخ أمرنا أن يشتغل كل منا بصنعة أبيه ، ويتقي الله فيها فقالت الأم: ويحك أفي السرقة تقوى ؟ وكان في الولد غفلة وحمق ، فقال لها: هكذا قال الشيخ وذهب يسأل، ويتسقط الأخبار ، حتى عرف كيف يسرق اللصوص ، فأعدّ عدة السرقة ، وصلى العشاء وانتظر حتى نام الناس، وخرج ليشتغل بصنعة أبيه كما قال الشيخ، فبدأ بدار جاره ، وهمّ أن يدخلها ثم ذكر أن الشيخ قد أوصاه بالتقوى، وليس من التقوى ، إيذاء الجار، فتخطى هذه الدار، ومرّ بأخرى، فقال لنفسه : هذه دار أيتام ، والله حذر من أكل مال اليتيم ، وما زال يمشي حتى وصل إلى دار تاجر غني ، ليس فيه حرس، ويعلم الناس أن عنده الأموال التي تزيد عن حاجته ، فقال: هاهنا، وعالج الباب بالمفاتيح التي أعدها، ففتح ودخل ، فوجد داراً واسعة وغرفاً كثيرة، فجال فيها حتى اهتدى إلى مكان المال، وفتح الصندوق ، فوجد من الذهب والفضة والنقد شيئاً كثيراً، فهمّ بأخذه ثم قال: لا لقد أمرنا الشيخ بالتقوى، ولعل هذا التاجر لم يؤد زكاة أمواله، لنخرج الزكاة أولاً ، وأخذ الدفاتر وأشعل فانوساً صغيراً جاء به معه، وراح يراجع الدفاتر ويحسب، وكان ماهراً في الحساب، خبيراً بإمساك الدفاتر، فأحصى الأموال، وحسب زكاتها فنحىّ مقدار الزكاة جانباً، واستغرق في الحساب حتى مضت ساعات، وحان وقت الفجر فقال: تقوى الله، تقضي بالصلاة أولاً وخرج إلى صحن الدار ، فتوضأ من بركة ماء فيه ، وأقام الصلاة فسمع ربّ البيت ، فنظر فرأى عجباً: فانوساً مضيئاً! ورأى صندوق أمواله مفتوحاً، ورجلاً يقيم الصلاة فقالت له امرأته: ما هذا ؟ قال: والله لا أدري، ونزل إليه فقال: ويلك من أنت وما هذا؟ قال اللص: الصلاة أولاً ثم الكلام، فتوضأ وتقدم وصلِّ بنا فإن الإمامة لصاحب الدار ، فخاف صاحب الدار أن يكون معه سلاح، ففعل ما أمره ، والله أعلم كيف صلى، فلما قضيت الصلاة قال له: خبّرني من أنت وما شأنك؟ قال: لص: وماذا تصنع بدفاتري؟ قال: أحسب الزكاة التي لم تخرجها من ست سنين، وقد حسبتها ، وفرزتها لتضعها في مصارفها ، فكاد الرجل يجن من العجب وقال: ويلك ما خبرك ، هل أنت مجنون؟ فخبره خبره كله، فلما سمعه التاجر ، ورأى ضبط حسابه، وصدق كلامه، وفائدة زكاة أمواله ذهب إلى زوجته فكلمها، وكان له بنت، ثم رجع إليه فقال له: ما رأيك لو زوجتك بنتي ، وجعلتك كاتباً وحاسباً عندي، وأسكنتك أنت وأمك في داري ، ثم جعلتك شريكي؟ قال: أقبل ، وأصبح الصباح ، فدعا المأذون والشهود ، وعقد العقد.
هذه قصة يفهم منها المعنى الشرعي للتقوى ، أن تجعل بينك و بين ما حرّم الله حاجز ، بامتثال الأوامر واجتناب النواهي ، والخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل ، والاستعداد ليوم الرحيل . ورأينا كيف تخلق بخلق التقوى ، فالتزم بأوامر الله واجتنب نواهيه ، فكان له وقاية من سخطه وعقابه وفاتحة خير في الدنيا بتسهيل في الأمور ، وتيسير الأسباب قال تعالى : ﴿ ومَن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه مِن حيث لا يحتسب ومَن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ الطلاق
بركة الإيمان والتقوى
