إذا اعتز المسلم بعقيدته وجاهد في سبيل الله ، لتكون كلمة الله هي العليا ، ارتبط بالله وارتفع بنفسه عن مواضع المهانة ، ولا يعتز المؤمن بغير الإسلام : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون } . لأنه لا نصر بغير الإيمان ، ولا إيمان بغير الرجوع إلى الإسلام ، ولا بد للإسلام من مؤمنين ، فالله تعالى يقول لرسوله : { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين } ذكرت الصحف أن رجلا أجنبيا درس الإسلام فأعجب به ، وأعجب بتعاليمه ، فقال كلمة يجب أن نحفظها ونرويها ، ماذا قال ؟ قال : ما أعظمه من دين لو كان له رجال ، دين عظيم ولكنه في حاجة إلى رجال عظماء ، دين قوي ولكنه في حاجة إلى رجال أقوياء ، في الوقت الذي تتعرض فيه الأمة لنكبات قاسية ، تتمثل في الحروب التي لم تضع أوزارها بعد .
لقد حقق الأعداء قديماً على المسلمين نصراً ماديًّا وعسكريًّا ولكن لم تُهزَم قِيمهم ولا مبادِئهم، ولم تنهزِم روحُهم ولا إيمانهم ، فتحوّلت الهزيمة إلى نصر بعد حين ، وسرعانَ ما غزت الأعداء ، قِيَم المجتمعِ المسلم ، فأسلم التّتار وهم المنتصِرون واندَحر الصليبيّون وهم الغالِبون ، كلّ ذلك على أيدِي المسلمين ، وقد كانوا هم المهزومين ، فجند الله هم الغالبون ، وقد جاء هذا الوعد بالنصر والغلبة والتمكين ، في قوله تعالى :{ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ ، إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ، وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } الصافات 171 . فرسُل الله هم المنصورون ، وجند الله هم الغالبون ، كلمةٌ من الله سبقت ، ووعدٌ من الله لا يُخلَف ، على الرّغم من جميع العوائق ، وعلى الرّغم من كلّ صوَر التكذيب والتّشكيك ، فإن هذه القوى وهذه الحضارة التي تسود اليوم لا بد أن تبيد ، كما سادت الحضارات السابقة وبادت ، لأن الذي يبقى في النهاية عقائد المرسَلين ، لأنها الأظهَر والأبقى والأكمَل . وإنّ هذا متحقِّق في كلّ دعوة لله مخلِصة ، وفي كلّ دعاةٍ لله صادقين إنها دعوةٌ غالبة منصورة ، مهما رصَد لها الباطل من قوى الحديد والنّار ، وقوى الدّعاية والافتراء ، وقوى الحرب والمقاومة . معاركُ تقوم بين أهلِ الحقّ والباطل ، ولكنّ نتائجَها تختلِف حتى تنتهيَ إلى وعد الله الحقّ ، الذي وعد رسلَه وأولياءه وجندَه ، وهو وعدٌ لا يُخلَف ، ولو قامت في طريقه كلُّ قوى الأرض ، وهو سنّةٌ من الله ماضية غيرَ أنَّ هذه السّنن مرهونة بتقدير الله تعال ، يحقِّقها حين يشاء وكيف يشاء ، وقد تُبطئ آثارها الظاهرة بالقياس في أعمارِ البَشر القصيرةِ المحدودة ، ولكنّها لا تُخلَف ولا تتخلّف أبدًا ، بل قد تتحقّق في صورةٍ لا يدركها البَشر ، لأنّهم يطلبون المألوفَ من صوَر النّصر والغلبة ، ولا يدركون تحقُّقَ السّنّة في صورةٍ غيرِ مألوفة إلاّ بَعد حين . قد يريد البَشَر صورةً معيّنة من صُور الغلبة والنّصر ، ويريد الله صورةً أخرى أكمَل وأتمّ وأبقى ، فيكون ما يريد الله ولو تكلّف جندُ الله من المشقّة والضحايا وطول الأمَد أكثرَ ممَّا ينتظرون قال تعال : { وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ، لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ } الأنفال 8 .
فالنّاس يقصُرُون معنى النّصر ، في حدودٍ معيّنة معهودةٍ ، قريبة الرّؤى لأبصارهم ، فالأزمات مهما اشتدّت ، والخطوب مهما ادلهمّت ، فإنّ دينَ الله سيبقى عزيزًا منصورًا ، بعزِّ عزيزٍ أو بذلِّ ذليل والأرض لله يورِثها من يشاء من عباده ، ويَرثُها عباد الله الصالحون . نعم سيبقى دينُ الله عزيزًا ، وستبقى العزّة للمؤمنين لأن العزة عزّة مبادئ وعزّة قيَم ، لا عزّة جماعات ولا فِئات فالهزيمة بحقٍّ هي هزيمة الأمّة حين تتخلّى عن قيَمها ، وتبتعِد عن مبادئها ، لأن المنتصِر هي المبادئ والأفكار وليس الأشخاص .
ولتقريرِ هذه الحقيقةِ تأمّلوا قولَ الله عزّ شأنه: { مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً } فاطر10. إنها حقيقةٌ ثابتة ، لا تتغيّر ولا تتبدّل ، حقيقةٌ كفيلة بتعديل القيَم والموازين ، وتعديل الحُكم والتقدير ، وتثبيت المواقف ، وتعديل المنهَج والسّلوك وضبط الوسائل والأسباب ، وإذا استقرّت هذه الحقيقةُ في قلبِ المؤمن وثبتت في يقينه ورسخت ، وقَفَت به أمامَ الدّنيا كلِّها عزيزًا كريمًا ثابتًا غيرَ متزعزِع وحينئذ لن يحنيَ رأسَه لمخلوقٍ متجبّر ، ولا لعاصفة طاغية ، ولا لحدَث جلَل ، ولا لمصلحةٍ مهما كانت لأن العزّة استعلاءٌ على شهوَة النّفس ، ورفضٌ للقيد والذّلّ وارتفاع عن الخضوع لغيرِ الله ، بل هي خضوعٌ لله وخشية منه ، وتقوى ومراقبة في السّرّاء والضّرّاء ، وفي هذا الخضوع ترتفِع الجِباه ، ومن هذه الخشيَة تمتنع عن كلّ ما يأباه ، ومن هذه المراقبة لا تبتغي إلا رضاه ، لأن العزّة في حقيقتِها ووسيلتِها هي في نصر رسالة الله وغلبة جندِ الله المخلصين ومن العزة ألا يكون المسلم مستباحًا لكل طامع، أو غرضًا لكل صاحب هوى، وعليه أن يدافع عن نفسه وعِرْضِهِ وماله وأهله ، والمسلم يرفض إذلال نفسه حتى لو قتل في سبيل عزته وكرامته ، ويبدو ذلك واضحًا في موقف الرجل الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( يا رسول الله، أرأيتَ إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : فلا تعطِهِ مالك فقال الرجل: أرأيت إن قاتلني؟ فقال صلى الله عليه وسلم : (قاتلْه فقال الرجل: أرأيتَ إن قتلني؟ فقال صلى الله عليه وسلم : فأنت شهيد فقال الرجل: أرأيت إن قتلتُه؟ فقال صلى الله عليه وسلم : هو في النار ) مسلم .فالمسلم يعيش محتفظًا بكرامته؛ لا يضعف، ولا يلين ولا يتنازل عن شيء من كرامته وعزته ، من أجل مالٍ قليل، أو عَرَضٍ دنيوي ولكي يحافظ المسلم على عزته، ويجعل دينه عزيزًا فيعمل ويكد ويتعب حتى تتحقق له القوة، إذ لا عزة للضعفاء ، الذين يمدون أيديهم للناس ، يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام . أما آن للمسلمين أن يتمسكوا بدينهم الحقّ ، وما الحقّ إلا أن يتَّحِد المسلمون ، وما الحقّ إلا أن ينبذوا الخلافَ والتخاذل ، وما الحقّ إلا أن توزَن الأمور بموازينها ، أما آن للغافلين أن يستيقِظوا ، وللمذنبين أن يُقلِعوا ، أما آن للقانطين والمستيئسين أن يستبشِروا ويتفاءلوا ، أما آن للطائِعين المستقيمين أن يستقيموا على منهج الله ، ويجاهدوا في سبيل الله .
إن صراعنا مع الأعداء هو صراع دينٍ ووجود ، لا صراع أرضٍ وحدود ، صراع دين واعتقاد وليس صراع سياسة واقتصاد . لذا على الأمّة أن تنتصرَ لقضاياها ، قبلَ أن تطلبَ من الآخرين الوقوفَ معها ، عليها أن تقِف بكلّ طاقاتها قبلَ أن تناشدَ الآخرين معاونَتَها ، فنصرةُ القضايا واسترداد الحقوقِ لن يتمَّ بمساعدة الأعداء ، إنه لن يتم إلا بإعلان الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين ، روى البيهقي في شعب الإيمان ج2/ص247,قال:” أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أن الحسن بن محمد بن إسحاق قال سمعت أبا عثمان الخياط يقول سمعت ذا النون يقول ثلاثة من أعمال المراقبة : ايثار ما أنزل الله ، وتعظيم ما عظم الله ، وتصغير ما صغر الله ، قال وثلاثة من أعلام الاعتزاز بالله : التكاثر بالحكمة وليس بالعشيرة ،والاستعانة بالله وليس بالمخلوقين ، والتذلل لأهل الدين في الله وليس لأبناء الدنيا ” .
بماذا يعتز المسلم
