ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ما كتبه ملك الروم إلى حاكم بغداد أمير المؤمنين هارون الرشيد قائلاً : من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب ، أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ ، وأقامت نفسها مقام البيدق ، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أمثاله إليها ، وذلك من ضعف النساء وحمقهن ، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد إلي ما حملته من الأموال وافتد نفسك به ، وإلا فالسيف بيننا وبينك .
فلما قرأ هارون الرشيد كتابه أخذه الغضب الشديد حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إليه ولا يستطيع مخاطبته ، وأشفق عليه جلساؤه خوفاً منه ، ثم استدعى بداوة وكتب على ظهر الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم ، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم . قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة ، والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام .
ثم شخص من فوره وسار حتى نزل بباب هرقله ففتحها واصطفى ابنة ملكها ، وغنم من الأموال شيئاً كثيراً ، وخرب وأحرق ، فطلب نقفور منه الموادعة على خراج يؤديه إليه في كل سنة فأجابه الرشيد إلى ذلك .
لقد انقلبت الموازين ، وبدلاً من أن نُملي عليهم أصبحوا يملون علينا ، ففي عصرنا الحاضر كتب رئيس أميركا إلى حاكم بغداد قائلاً : من جورج بوش الابن قائد التحالف الصليبي إلى صدام حسين قائد أم المعارك ، أما بعد : “فإن والدي جورج بوش الأب قد أخرجك من الكويت ذليلاً ، وأبقى على ملكك في بغداد لحاجة في نفسه ، فإذا بلغك كتابي هذا فاعلم أن أيامك في الحكم قد أصبحت معدودة ، وسواء عليك أتعاونت مع فريق المفتشين الدوليين أم لا فإن رأسك مطلوب ، وقصرك مقصوف وجسرك منسوف وسترك مكشوف وسنرسل حاملات طائراتنا لتذل كبريائك ، وتبيد خضراءك واعلم أن أصدقائنا قد فتحوا لنا الحدود والممرات والأجواء ، وقدموا لنا كافة التسهيلات كي نقلعك ، ولا خيار أمامك إلا الاعتزال ومغادرة البلاد ، ولنأتينك بجنودٍ لا قبل لك بها ، ولنخرجنك منها” . ولما قرأ صدام الكتاب طلب من كبار معاونيه أن يستجيبوا لقرارات الأمم المتحدة وأن يستقبلوا فرق التفتيش التي تدخل المنشآت والقصور والبيوت دون استئذان ، وأن يعتذروا للشعب الكويتي عن المعاناة التي سببها غزو عام 1990.
ثم بدأ ذلك النور المشعّ ينحسر شيئًا فشيئًا فعاش أبناء المجتمع في ليال سوداء قائمة، وهم ضعفاء أذلاء، تفرقت الكلمة، وتصدع البنيان وتداعت عليهم الأمم من كل حدب وصوب فذهبت الهيبة، وانهار كيان المجتمع، ولم يكن ذلك عن قلة، ولكن أصبحوا كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم “غثاء كغثاء السيل” فزحف المستعمر من كل مكان، لينهش من هذا الجسم المريض، وبدأ الاستعباد والذل والهوان، كل ذلك حدث عندما هانت الأمة على نفسها، حتى فقد المجتمع الإسلامي ثقته بنفسه، وأصبح الإسلام في نفوس أصحابه ألفاظًا بلا معنى، واتجه شرار المجتمع صوب المستعمر الآثم، يتبعون خطواته حذو القذة بالقذة، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد في مسنده: “ليحملن شرار هذه الأمة، على سنن الذين خلوا من قبلهم، أهل الكتاب، حذو القذة بالقذة”. لكنني أريد أن أقول لكم يا قراء، أن ما نعيشه الآن من مذلة وهوان، إنما هو لأننا لم نتبع سنة سلفنا الصالح، فلم نقوم اعوجاج حكامنا. وأقول لكم أيضا، أن الحكام لم يكونوا أقل خطرا من الأعداء، وأن النخبة الخائنة التي نصبها الحكام علينا ما بين كتاب ومفكرين وصحافيين وفقهاء سلطان ،لم تكن هي الأخر أقل خطرا فما بين يسار كافر، ويمين منحل ، وعلماء دين نسوا الله، تشكلت تلك الفئة التي كانت للأمة أشبه بميكروب الجمرة الخبيثة ، تفتك بها ، فلا تنسي ذلك ، وهل بعد هذا الإذلال إذلال ، لقد وصلنا إلى مرحلة مللنا والله فيها قرارات المذلة والمسكنة ، والخضوع للكفار وقوانينهم الجائرة ألسنا قوم أعزنا الله بالإسلام ، فلماذا نبتغي العزة بغيره ؟ ألسنا بحاجة إلى قرار مثيلٍ لقرار هارون مع ملك الروم ، لقد اشتقنا والله لقرارات العزة والكرامة في ظل حكم الإسلام وطاعة الله ورسول صلى الله عليه وسلم ، وإذا كانت العزة الحقيقية لا تكون إلا بالموت فمرحباً به ، لأن الموت في طاعة الله خير من الحياة في معصيته ، ولقد أحسن عنترة العبسي عندما قال :
موت الفتى في عزةٍ خيرٌ له من أن يبيت أسيرَ طَرْفِ أكحلِ
لا تسقني ماء الحياة بذلةٍ بل فاسقني بالعزِّ كأسَ الحنظل
ماءُ الحياة بذلةٍ كجهنمٍ وجهنمٌ بالعزِّ أطيـبُ منـزلِ
هذا الجاهلي ! فما بالكم بالمسلم الذي يرجو من الله إحدى الحسنيين ، النصر أو الشهادة ؟ لا شك أنه أجدر بالشجاعة وأولى بالتضحية والإقدام ! أما من لا يرجون لقاء الله فعقابه ينتظرهم جزاء الكذب والتخلف، وإن كانوا يتظاهرون بالإسلام وهم فيه منافقون وماذا يتربص المؤمنون بالمنافقين ؟ إنه عذاب الله أن يأخذهم كما أخذ من قبلهم ، أو يبطش المؤمنون بهم كما وقع من قبل قال تعالى : { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ، ونحن نتربص بكم أن يصيَبكُمُ الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون } .
إنهم جبناء يلجأون بكل الوسائل ليأمنوا على ذواتهم وليحققوا أطماعهم ، وإن كان في ذلك ذِلةٌ وصغارٌ لهم ، متناسين أنه لا يذل من يخضع لله ، إنما يذل من يخضع لعباد الله ولا يصغر من يخشاه إنما يصغر من يعرضون عنه فيخشون من دونه من عباد الله . قال تعالى : { أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه } .
