إني أومن أن كل إنسان وهبه الله تعالى قدرا من الإيمان، مهما كانت ذنوبه ، فكل إنسان فيه شيء من فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، والطريق لا بد فيه من بذل حتى نصل إليه ، فلا نكتفي بمجرد الأمنية ؛ فالأمنية وحدها غير كافية ؛ ولذا جاء في الأثر: ( ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ) ولا يعني عدم العمل نفي الإيمان بالكلية، ولكنه ليس إيمانا صادقا، لقد كان القرآن الكريم دائم الربط بين الإيمان والعمل الصالح، لأنه دليل الصدق.
من الناس من ذبح نفسه بسكاكين المعاصي، وخناجر الآثام ، بل منهم من أودى بحياته بقذائف الرذائل، وقنابل الحرام ، وصواريخ الشرك والكفر، فأصبح كالأرض البور، لا يصلح فيها نبت ولا زرع والإسلام لم يجعل الإنسان مقلدا في الخير والشر ، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك حين قال: ( لا يكن أحدكم إمعة ، يقول: إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا ألا تظلموا ) ويقول ابن مسعود، وهو من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يتبعن أحدكم دينه رجلا، إن آمن آمن ، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر”. والإنسان هو الذي يحدد لنفسه طبيعة حياته ، أن يكون صالحا ، أو يكون فاسدا، فهذه له هو، والله تعالى ترك له حرية الاختيار ) وهديناه النجدين( إن طبيعة الخطأ يجب أن يكون لها حدود، فإن زينت المعصية للإنسان، فليبتعد عن الكبائر، لأن الصغيرة تمحى بيسير الأعمال ) والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ( وكون الإنسان دائما لا يقرب الكبائر فيكون في مأمن منها، بل الأصل أن يسعى المسلم إلى مرضاة ربه ، وأن يبتعد عما نهى عنه ، وفي الحديث: ( إن الله تعالى يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم الله ) . إن إتيان الفاحشة الكبرى أمر مذهل، وقد أنكرت هند بنت عتبة، وكانت على جاهليتها لم تسلم بعد، حين أتت تبايع الرسول على الإسلام، فاشترط الرسول صلى الله عليه وسلم على النساء عدم الزنى، فتعجبت المرأة العربية الجاهلية، وقالت: “أو تزني الحرة يا رسول الله؟!”، فكأن النفوس مفطورة على البعد عن الفاحشة، ولهذا فقد حذر القرآن منها أشد التحذير، وحرم الأسباب المفضية لها قبل أن يحرمها، فقال تعالى: ﴿ ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ﴾ .
وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم وصف الإيمان عن الزاني حين قال: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) فالإيمان يخلع حين ممارسة الفاحشة، وهذا يعني أن مرتكب الفاحشة وقع فريسة الهوى والشيطان، وزين له الشيطان فعله، وأوهمه أن ارتكاب الحرام طريق الغنى . وقد قال تعالى: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ وقال أيضا: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ فالواجب على الإنسان أن يأخذ قرارا حاسما بترك الفواحش من الآن ، وليس بعد ساعة وأن يصدق الله تعالى ولقد صدق القائل :
تعصي الله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
في كل يوم يبتديك بنعمة منه وأنت لشكر ذاك مضيع
فالتمس في حب الله تعالى لك عونا على ترك معصيته، واللجوء إليه، فإنه سبحانه يحب التائبين إليه، العائدين إليه، مهما كانت ذنوبهم، وهو القائل : ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ﴾ انظر إلى قوله : ) ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعا ﴾ فليس بينك وبين التوبة حائل مهما عظم فإن كان ذنبك عظيما ، فعفو الله أعظم . واسمع إلى ربك حين يبلغ عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: ( يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو انك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ) .
إن الله تعالى يفتح لنا أبواب التوبة ، ورزقنا الخوف منه حين ذكره ، فلم لا نجعل هذا حاجزا لنا عن المعصية ساعتها ، ولم لا نستجب لنداء الحق حين نسمعه والله تعالى لن يجبرنا على ترك المعصية ، ولن يجبرنا على فعل الطاعة ؛ لأنه سبحانه سيحاسب الناس على أعمالهم ، كل بما عمل ، وكل امرئ يختار لنفسه ما يحب . وما لنا ومن لا يفهم دين الله حق الفهم ؛ فالذي يقنط الناس من رحمة الله جاهل بحقيقة التوبة ، وحب الله لعباده ، إن الله يفرح بتوبة التائبين، ويسعد بعودة العصاة الآثمين، وقد جاء في الأثر: ( إني لأجدني أستحي من عبدي يرفع إليّ يديه يقول يا رب يا رب فأردهما؛ فتقول الملائكة إلهنا إنه ليس أهلا لتغفر له فأقول ولكني أهل التقوى وأهل المغفرة أشهدكم أني قد غفرت لعبدي ) . وجاء في بعض الكتب: “أوحى الله لداود، يا داود لو يعلم المدبرون عني شوقي لعودتهم ورغبتي في توبتهم لذابــوا شوقا إليّ، يا داود هذه رغبتي في المدبرين عني فكيف محبتي في المقبلين عليّ ، وفي الأثر: إنه إذا رفع العبد يديه للسماء وهو عاص فيقول يا رب فتحجب الملائكة صوته فيكررها يا رب فتحجب الملائكة صوته فيكررها يا رب فتحجب الملائكة صوته فيكررها في الرابعة فيقول الله عز وجل إلى متى تحجبون صوت عبدي عنى؟ لبيك عبدي لبيك عبدي لبيك عبدي لبيك عبدي. وفي الحديث القدسي: ( ابن آدم خلقتك بيدي وربيتك بنعمتي وأنت تخالفني وتعصاني فإذا رجعت إلى تبت عليك فمن أين تجد إلها مثلي وأنا الغفور الرحيم ) .
وقال أحد الصالحين: “ولا تقطع الاعتذار ولو رددت، فإن فتح الباب للمقبولين فادخل دخول المتطفلين ومد إليه يدك، وقل له مسكين فتصدق عليه فإنما الصدقات للفقراء والمساكين”. أما التفكير في الخلوة، فهو شيء محمود، خلوة عن العصاة المذنبين، والاختلاط بعباد الله الصالحين ، الذين يعينونك على طاعة الله تعالى وما أكثرهم لو نويت خيرا .
بين التمني والتوبة
