العزة : هي الرفعة والبعد عن مواطن الذل والمهانة فالله يأمرنا أن نكون أعزاء، لا نذل ولا نخضع لأحد من البشر، لأن الخضوع لا يكون إلا لله وحده فالمسلم يعتز بدينه وربه، ويطلب العزة في رضا الله -سبحانه-، وقد قيل: من طلب العزة بغير طاعة الله أذله الله ، وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه : كنا أذلاء، فأعزنا الله بالإسلام ، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله ، وقيل: الذلة لرب العباد عزة، والذلة للعباد ذلة ، وصدق الشاعر حين شبه التذلل للعباد بالموت، فقال:
من يَهُنْ يَسْهُلِ الهوان عليه ما لجُـرْحٍ بميِّت إِيلامُ
ومن عزة المسلم ألا يكون مستباحًا لكل طامع، أو غرضًا لكل صاحب هوى، بل عليه أن يدافع عن نفسه وعِرْضِهِ وماله وأهله ، والمسلم يرفض إذلال نفسه، حتى لو قتل في سبيل عزته وكرامته ويبدو ذلك واضحًا في موقف الرجل الذي أتى النبي عليه السلام فقال: ( يا رسول الله، أرأيتَ إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ فقال الرسول عليه السلام : فلا تعطِهِ مالك فقال الرجل: أرأيت إن قاتلني؟ فقال عليه السلام : (قاتلْه فقال الرجل: أرأيتَ إن قتلني؟ فقال عليه السلام : فأنت شهيد فقال الرجل: أرأيت إن قتلتُه؟ فقال عليه السلام : هو في النار ) مسلم . فالمسلم يعيش محتفظًا بكرامته؛ لا يضعف، ولا يلين ولا يتنازل عن شيء من كرامته وعزته من أجل مالٍ قليل، أو عَرَضٍ دنيوي ، ولكي يحافظ المسلم على عزته، ويجعل دينه عزيزًا ، فيعمل ويكد ويتعب حتى تتحقق له القوة، إذ لا عزة للضعفاء الذين يمدون أيديهم للناس ويأكلون بلا تعب .
كثير من الناس اليوم يعيشون حياتهم ولا يعنيهم منها إلا طعام يشبِع، وشراب يروِي، ولباس يُتَزَيَّن به ورفاهية ينعمون بها، تراهم يسعون في الأرض ويجدُّون، وماء وجوههم في سبيلها يريقون، وكأنهم لا يعقلون ، وهم عن كرائم الغايات مُبْعدون، وفي سبل الشهوات يعمهون، وإذا ما دعا الداعي للجهاد فإنهم لا يستجيبون .
لقد اختاروا الذل بعد العز، والهوان بعد الرفعة ، إنهم يؤدون ضريبة الذل من نفوسهم ، وأقدارهم وسمعتهم ، وكثيرا ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون . بعض النفوس الضعيفة يخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهظة، لا تطاق، فتختار الذل والمهانة ، فتعيش عيشة الخائفين قال تعالى ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ المنافقون4 . يحسبون أنهم ينالون في مقابل كرامتهم قربى ذوي الجاه والسلطان ، حين يؤدون إليهم ضريبة الذل وهم صاغرون، ولكن كم من تجربة انكشفت عن نبذ الأذلاء ، بأيدي سادتهم الذين عبدوهم من دون الله ، وكم من رجل باع رجولته، ومرغ خديه تحت أقدام السادة، وخنع، وخضع، وضحى بكل مقومات الحياة الإنسانية ، وفي النهاية إذا هو رخيص هَيِّن حتى على السادة الذين استخدموه ، يَهْوُونَ من القمة إلى السَّفْح، لا يرحمهم أحد، ولا يترحم عليهم أحد حتى السادة الذين في سبيلهم هَوَوْا من قمة الكرامة إلى سفوح الذل، ومن عزة الحق إلى مَهَاوي الضلال ، وقد شاهدتا الكثير من الرجال الكبار يحنون الرؤوس لغير الله ، يحملون ضرائب الذل ويرتكبون كل كبيرة ، ليرضوا صاحب الجاه أو السلطان، وما درى الذين يخشون عاقبة الكرامة ويمرِّغُون خدودهم تحت مواطئ الأقدام ، ويخونون أماناتهم، وكراماتهم، ويخونون إنسانيتهم والتضحيات العظيمة التي بذلتها أمتهم لتتحرر، ما دروا أن التاريخ لا يرحم أمثالهم ، وها هو الواقع الحاضر يشهد ، بأن ضريبة الذل أفدح من ضريبة الكرامة، وأن تكاليف الحرية أقل من تكاليف العبودية، وأن الذين يستعدون للموت توهب لهم الحياة، وأن الذين لا يَرْهَبُون الجاه والسلطان يَرْهَبُهم الجاه والسلطان ، فكم رأينا أذلاء باعوا الضمائر وخانوا الأمانات وخذلوا الحق ، ثم ذهبوا غير مأسوف عليهم ، ملعونين من الله ، ملعونين من الناس، ورأينا من يأبون أن يذلوا، ويأبون أن يخونوا ويأبون أن يبيعوا رجولتهم، وقد عاش من عاش منهم كريماً، ومات من مات منهم كريما ، وها نحن نرى من يستصرخ ويستنصر بالأمة الإسلامية حكومات وشعوباً ولكن ما من مُجيب يصدق فيهم من قال :
يا من لذلَّةِ قومٍ بعدَ عزَّتِهِم أحالَ حالهُمْ جَورٌ وطُغيانُ
بالأمسِ كانُوا مُلُوكاً في منازلهِم واليومَ هم في بلادِ الكفرِ عُبدانُ
فلو تراهُم حَيَارى لا دليلَ لهم عليهِمْ من ثيابِ الذُّلِ ألوَانُ
كَم يستغيثُ بنا المستضعفونَ وهُم قَتلى وأَسرَى فما يهتزُ إنسانُ
لمثلِ هذا يبكِي القلبُ مِن كمدٍ إنْ كانَ في القَلـبِ إسلامٌ وإيمانُ
والسؤال : ما هو طريق الخلاص ؟ جاء ذلك في الحديث الذي رواه أبو داود وأحمد وغيرهما بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم). في الحديث بيان للعلاج والدواء فبيع العينة لا من البيوع الربوية التي ابتلي بها كثير من الناس في هذه الأيام ، وقوله : (وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع) أي: انصرفتم عن القيام بواجباتكم الدينية إلى الاهتمام بالأمور الدنيوية، وكسب المال بأي طريق كان، وأخيراً وهو الأهم ، ترك الجهاد في سبيل الله ، فكان العقاب من باب التحذير: (سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)، وهذا الذل المسلط على المسلمين أمرٌ لا يخفى فقد أصاب المسلمين ما أصابهم قال تعالى : ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾النساء160 ، فالله عز وجل لما سلط الذل علينا بظلمٍ منا، فما أوتي المسلمون إلا من قبل أنفسهم حين ركنوا إلى أعدائهم ومالوا إليهم كل الميل مخدوعين بمعسول كلامهم، ومواعيدهم الكاذبة فأضاعوا حقوق المسلمين، تارة باسم السلام ونبذ العنف، وتارة بمحاربة الإرهاب والقضاء على التطرف ، والمسلمون يصدقونهم وينفذون لهم ما يريدون، ناسين توجيهات الله لهم بالحذر منهم قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعاً ﴾ النساء71 . إنها وصية الله لعباده أن يكونوا حذرين متيقظين من الأعداء الذين يعملون ليل نهار لإضعاف الأمة والحيلولة دون نهوضها وقيامها ، يريدون أن نكون عالة عليهم في كل شيء، فلا يسمحون لنا بالإنتاج والتصنيع الحربي المتطور، إنهم يتحكمون حتى في غذائنا وزراعتنا وتأمين أقواتنا ، ولا عزة لنا إلا بالإعداد والعمل وتطبيق منهج الله قال تعالى : ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ فاطر 10 . وقال صلى الله عليه وسلم : ( وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ) صححه الألباني والمؤمن عزيز بطاعة الله ، اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك .
