دَخَلَ عَائِذ بْنَ عَمْرٍو- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ – الحاكم الذي يضرب ، ولا يرحم رعيته من الناس، يسوق رعيته سوقًا شديدًا عنيفًا لا رفق فيه، شديد الطمع فيما في أيدي رعيته، لا يحرص على نفعهم ، بقدر ما يحرص على نفع نفسه ، ولو بظلم رعيته وفي الحديث التحذير بقوله : (فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ) فَقَالَ لَهُ عبيد الله : اجْلِسْ فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، أي لست من فضلاء الصحابة ، ولا من علمائهم ، بل أنت من سَقط الصحابة، وقد استعار النخالة ، وهي قشر الدقيق أي الحثالة ، لبيان مقصده. فَقَالَ: وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ؟ إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ وَفِي غَيْرِهِمْ ) . أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن الحسن البصري . هذا الحديث ، يبيّن لنا ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من النصيحة لأئمة المسلمين، هذه القصة التي ذكرها الحسن البصري ، لعائذ بن عمرو، في دخوله على عبيد الله بن زياد، رُوِيت على أوجه متعددة تبين المنهج القويم الذي كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتّبعونه في موعظة الأمراء والسلاطين وتوجيههم إلى ما فيه صلاح الأمة والأئمة. وفي إحدى روايات هذا الحديث عند الطبراني، يقول الحسن البصري: قدم علينا عبيد الله بن زياد أميرًا أمَّره معاوية ، فقدم غلامٌ سفيهٌ ، حَدَثُ السن ، يسفك الدماء سفكًا شديدًا ، قال: وفينا عبد الله بن مُغَفَّل المزني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب ، ليعلموا أهل البصرة، فدخل عبدُ الله بن مغفل على الأمير عبيد الله بن زياد في داره في يوم الجمعة، فقال له: انْتَهِ عمّا أراك تصنع فإن شر الرِّعاء الحُطَمة، فقال: وما أنت إلاّ من حُثالة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وهل كانت فيهم حثالة، لا أمّ لك! كانوا أهل بيوتات وشرف ممّن كانوا منهم، أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يبيت إمامٌ غاشٌ لرعيّته ليلةً إلاّ حرّم الله عزّ وجل عليه الجنّة” فخرج – عبد الله بن مغفل حتى أتى المسجد، فجلس فيه ونحن قعود حوله، ونحن نعرف في وجهه ما قد لقي منه، فقلنا: يغفر الله لك يا أبا زياد، ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رؤوس الناس؟ فقال: إنه كان عندي خفي من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحببت ألاّ أموت حتى أقوم علانيته، فوددتُ أن داره وسعتْ أهل البصرة ، فاجتمعوا فيها ، حتى يسمعوا مقالتي ومقالته.
من هنا نرى أن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، توافقا على نصْح هذا الأمير السفيه، ولم يكتف عبد الله بن مغفل بكون أخيه عائذ بن عمرو ، قد قام بنصح هذا الأمير السفيه، إنما قام عبد الله أيضًا ناصحًا مشيرًا ومبينًا واجب الإمام، ومبينًا أن الذي يبيت غاشًا لرعيته حرم الله عليه الجنة.
هذا هو منهج الصحابة في نصيحة هؤلاء الأمراء الجورة ، فقد كان عبد الله بن مغفل وعائذ بن عمرو ، على تمام الوعي برسالتهما وردَّا على هذا الأمير ، هذه الإهانة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبيَّنا أن هؤلاء القوم ، لم تكن فيهم نُخالة، وأن جيل الصحابة لم يكن فيه من يُعَد سقطًا، فكلهم كانوا أئمةً عدولاً ، إنما كان السقط فيمن جاء بعدهم .
ترى لو أن كل ذي رأي ومكانة ، وقف من الظالمين المنحرفين ، ما وقفه هذا النفر من الصحابه ، أما كانت الأمة تنعم بحكم عادل ورفاهية شاملة ، ولو أن الناس لم يتملقوا الحاكمين ، ولم يسمعوهم كلمات الثناء الكاذب والمديح الباطل أكان يجد الطغاة ما يزيدهم طغياناً واستخفافاً بإرادة الأمة وكرامتها ؟
إن الهدي النبوي ، يبين لنا أن من واجب الإمام ، أخذ الناس بالرفق ، وعدم سوقهم بالعنف . وقد أخرج البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ”. وفي رواية مسلم: “يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لاَ يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ) . وأعظم ما يكون الرفق سُمُوًّا ، حين يكون من الراعي على الرعية ، أما حينما يكون الراعي حُطَمَةً عنيفًا شديدَ السَّوْق للرعية ، حريصًا على ما في أيدي الناس، طامعًا فيما في أيدي رعيته، هذه الشدة في رعاية الناس وفي رعاية مصالح الناس، لا بد أن تعود على الأمة بالخذلان والخسران فالقائدُ عندما يفرض على الأمة ألاَّ تسمعَ إلاّ له ، وألاّ تسير إلا خلفه ، ويمنعها أن تبدي آراءَها، وحين يسلب حريَّتَها وكرامتَها، وحين يبيع قضاياها الكبرى رخيصةً لعدوها، وحين يفرض عليها أن تسير هذا السَّيْر الشديد الذي يؤلمها ويتعبها، وحين يرى أنه لا يستتب أمرُه إلاّ بقهرها؛ عندها لا بد للأمة أن تفكر في التخلص منه، وربما أدّى ذلك للفوضى واختلال الأمور والنظام، الذي تتجرع الأمة مرارته. لأنه الاستبداد بعينه ، الذي يؤدى إلى تفرق الأمة ، بحيث تميل النفوس الضعيفة ، إلى متابعة الحاكم العنيف ، حتى تنجو من قسوته وحتى تحظى بالخير الذي يمكن أن يقدمه إليها ومن ثمَّ تتحول الأمة إلى مجموعات متناحرة مجموعة قريبة من هذا الراعي الحطمة ، يحطم بها الناس، ومجموعة أخرى مستضعفة ترى نجاتها في غير هذا الطريق ، وهذه الحالة لا يمكن أن تستقيم معها أمور الأمة . لقد سجل التاريخ سيرة كثير من الأمراء ، الذين ساقوا الأمّة بأهوائهم وآرائهم ، غير عابئين بالرفق بالرّعية ، أو بأخذها إلى ما فيه صلاح حالها ، وكم سجل من حالات السمو التي مرت بها الأمة في تاريخها الطويل، حين يرزقها الله راعيًا رفيقًا يأخذ بيدها؛ إلى العزة والمجد ، روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ أن رسول الله ع قال : ( اللَّهُمَّ مَنْ رَفَقَ بِأُمَّتِي فَارْفُقْ بِهِ وَمَنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ فَشُقَّ عَلَيْهِ ) . ولهذا كان عمر بن عبد العزيز يأخذ الرعية بالرفق ولما أرْسَل إليه اثنان من ولاته وأمرائه يقولان: نرى أن الناس لا يصلحهم إلاّ السيف، فكتب إليهما: خبيثين -من الخبث-ورديئين- من الرديء- أتعرضان لي بدماء المسلمين، والله لَدَمُكُما أهون عليَّ من دماء المسلمين ، بل إنه عيَّن أميرًا على الموصل ، فرأى كثرة السُّرَّاق بها فكتب إلى عمر يقول: هل آخذهم بالظِّنَّة وأضربهم على التهمة، أم آخذهم بالبينة ، وما جرت عليه السُّنَّة؟ فكتب إليه : خذ الناس بالبينة ، وما جرت عليه السنة، فإن لم يصلحهم الحق ، فلا أصلحهم الله . ولما فعل الوالي ذلك ، قال : فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلها سرقًا ونهبًا ، إننا اليوم في أمسِّ الحاجة لأمراء رفقاء لا يعنفون الناس، ولا يحطمون الناس، ولا يسوقون الناس السوق الشديد، بل يأخذون الناس بالرفق إلى ما فيه صالح البلاد والعباد. نعم إن الناس في حاجة إلى كنف رحيم، وإلى رعاية فائقة، وإلى ود يسعهم، وحِلْمٍ لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم ، في حاجة إلى من يعطيهم، ولا يحتاج منهم إلى عطاء، في حاجة إلى من يجدون عنده الاهتمام والرعاية ، هكذا كان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهكذا كانت حياته مع الناس ، ما غضب لنفسه قط ولا ضاق صدره بضعفهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( اللهمَّ مَن وَلِيَ من أمرِ أُمَّتي شيئًا فشقَّ عليهم؛ فاشقُق عليه، ومَن وليَ من أَمْرِ أُمَّتي شيئًا فرفق بهم؛ فارفُق به) صحيح مسلم . فعلى من يلي أمور المسلمين ، أن يعمل على جلب ما فيه النفع لهم ودفع ما فيه الضرر ، والأخذ على أيدي الفاسدين المفسدين ، لمنع شرورهم، وحماية الأمة من فسادهم عن مَعقِل بن يَسار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من أميرٍ يَلِي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة) أخرجه مسلم.
