جاء صدور هذا القرار ونحن مع اليهود في الوقت الذي ذكره الله في قوله تعالى : ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم ﴾ الاسراء . والسؤال هنا : متى تنتهي هذه الكرة ؟ يقول الشعراوي : ” فإن شئتم فأطيلوها وإن شئم فقصروها وادخلوا المسألة على أنها أمرٌ ديني ولا تأخذوا المسألة على أنها أمرٌ عربي أو اسلامي ولكن أدخلوها إيمانياً إسلامياً وذلك لا يكون إلا إذا كنا عباداً لله وحين نكون عباداً لله فلن يتمكنوا منا ، وحين يتكلم الله بقضية إيمانية لا بد أن تأتي القضية الكونية مصدقةً لها ولو استمر الأمر بدون كرّة من اليهود علينا ، ونحن قد تخلينا عن منهجنا ، كلُّ يتبع هواه فإن القضية القرآنية لا تفيد ” ، وقد فهم أحد العارفين هذه القضية ، حين دخل اليهود بيت المقدس سجد لله فلما قيل له أتسجد لله على دخول اليهود بيت المقدس فقال نعم صدق ربنا إذ قال : ﴿ وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ﴾ الاسراء . أيكون دخولٌ ثاني مرّة إلا إذا كان خروج أول مرّة فكأنه يحمد الله على أن قضايا القرآن تؤكدها الكونيات .
في قوله تعالى : ﴿ ثم رددنا لكم الكرة ﴾ الخطاب هنا لليهود الآية هنا تمثل نقطة تحول وانقلاب للأوضاع ، فبعد غلبة المسلمين ، لم يستمر لهم الغلب ، لأنهم تخلوا عن منهج الله فدارت عليهم الدائرة ، وتسلط عليهم اليهود عندما انصرف المسلمون عن المنهج ، وتنكبوا الطريق المستقيم وانقسموا إلى دويلات فضعفوا ، فتراجعت كفتهم وتخلوا عن منهج ربهم وتحاكموا إلى القوانين الوضعية ، فسلط الله عليهم اليهود ليؤدبوهم، وأصبحت الغلبة لليهود بعد أن كانوا كل جماعه تعيش في أمة عيشةً انعزالية ، أما وقد توطنوا في فلسطين ، نراهم يميلون للبناء والتعمير وهم أصحاب رؤوس الأموال كما أخبر الله سبحانه : ﴿ وأمددناكم بأموال وبنين وجعلهم أكثر نفيرا ﴾ والنفير ما يستنفره الإنسان لنجدته ، ولذلك فإن قوتهم ليست ذاتيةً ، فنرى أقوى دول العالم تساعدهم ، وهم الذين زينوا لهم أولى خطوات نهايتهم ، فاختاروا فلسطين ليتخذوا منها وطناً يتجمعون فيه ، وفي هذا حكمة ، لأن الله حين يريد لنا أن نقضي عليهم ، يلفتنا إلى أن هذه الحرب لا تكون وهم متفرقين لذلك قال الله : ﴿ جئنا بكم لفيفا ﴾ . إذن فكرة تجمعهم هي في الحقيقة تخدم قضية الإسلام والمسلمين ، لأنها تسهل علينا تتبعهم وتمكننا من القضاء عليهم لذلك قال تعالى : ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ﴾ الإسراء .4 ، وهذه بشرى لنا المسلمين بأن الكرّة ستكون لنا في النهاية وليس بيننا وبين هذا الوعد إلا أن نعود إلى الله ، أما المراد بقوله وعد الآخرة هو الوعد الذي قال الله عنه :﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ﴾. وهذا بأيدينا إن عدنا عباداً لله .
