ثمرة مراقبة الله

إن مراقبة الله : هي دوام علم العبد وتيقنه ، باطلاع الله تعالى على ظاهره وباطنه ، وأنه ناظر إليه، سامع لقوله رقيب عليه ، قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } ومراقبة الله وخشيته هي التي منعت نبي الله يوسف عليه السلام عن المعصية لما راودته امرأة العزيز { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ } ومراقبة الله هي التي دفعت البنت حينما أمرتها أمها أن تغش اللبن الذي تريد بيعه للناس فقالت: يا أماه ألا تخافين من عمر؟ فقالت لها أمها: إن عمر لا يرانا فقالت البنت: إن كان عمر لا يرانا فرب عمر يرانا ، وقد سمعها عمر فأعجب بها ، وسأل عنها ثم زوجها أحد أبنائه ، فكان من نسلها عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد ، ويمرُ عمرُ بامرأة أخرى تغيبَ عنها زوجها منذ شهور في الجهاد في سبيل الله عز وجل ، وإذا بها تنشد وتحكي مأساتها :
تطاول هذا الليل وازور جانبه وأرقنـي أن لا حبيب ألاعبـه
فوالله لولا الله لا رب غيـره لحرك من هذا السريري جوانبه
وأعرابية أخرى يراودها رجل على نفسها كما أورد ابن رجب، ثم قال لها: ما يرانا أحد إلا الكواكب ، فقالت: وأين مكوكبها يا رجل؟ أين الله يا رجل؟ أتستخفي من الناس ولا تستخفي من الله وهو معك إذ تبيت ما لا يرضى من القول ، ومراقبة الله هي التي دفعت راعي الغنم أن يقول لعمر عندما قال له : بعني شاة من هذه الغنم؟ فقال: إنني مملوك ، فقال له عمر : قل لسيدك أكلها الذئب ، قال الراعي: فأين الله؟! فبكى عمر ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه وأعتقه وقال: أعتَقَتْك في الدنيا هذه الكلمة ، وأرجو أن تعتقك في الآخرة.
فكل هذه الخصال السامية تجدها في أولئك الذين جعلوا المراقبة من بالهم وهى صفات عزيزة نادرة كندرة هذه الصفة :”صفة المراقبة” .
إن مراقبة الله تعالى تكشف تأمر المتآمرين ، فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ، فهذان رجلان من قريش هما صفوان بن أمية وعمير بن وهب ، جلسا يجران أحقادهما ، تحت جدارِ الكعبة ، فتذاكرا قتلى بدر فقال صفوان : والله ما في العيش بعدهم خير ، وقال له عمير: صدقت والله لولا دينُ علي لا أملك قضاءه ، وعيالُ أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبتُ إلى محمد حتى أقتله فإن لي عنده علّة أعتل بها عليه ، أقول قدمت من أجل إبني هذا الأسير ، فاغتنمها صفوان وقال : علي دينُك أنا اقضيه عنك، وعيالُك مع عيالي أواسيهم ما بقوا ، فقال له عمير: فأكتم شأني وشأنك لا يعلم بذلك أحد ، قال صفوانُ: أفعل فقام عمير وشحذ سيفَه وسمَه ، ثم انطلقَ إلى المدينة ، فلما وصل إلى هناك أناخَ راحلته على بابِ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشحاً سيفه ، فرآه عمر وقال : عدو الله ، والله ما جاء إلا لشر ، ودخل عمر على رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بخبره ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أدخلُه عليّ ودخل به عمر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بحمالة سيفه في عنقه ، فلما رآه صلى الله عليه وسلم قال لعمر: أرسله يا عمر ، ثم قال ما جاء بك يا عمير. وكان له أبنُ أسير عند رسولِ صلى الله عليه وسلم قال : جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم ، فقال صلى الله عليه وسلم : فما بالُ السيفِ في عنقك؟ قال: قبحها اللهُ من سيوف وهل أغنت عنا شيئاً فقال صلى الله عليه وسلم وقد جاءه الوحيُ بما يضمرُه عمير، أصدقني يا عمير ما الذي جاء بك؟ قال: ما جئت إلا لذاك ، فقال صلى الله عليه وسلم : بل قعدت أنت وصفوان في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت له: كذا وقال لك: كذا وتعهد لك بدينك وعيالك، واللهُ حائلُ بيني وبينك ، قال عمير: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله ، هذا أمرُ لم يحضُره إلا أنا وصفوان، فواللهِ ما أنبأك به إلا الله فالحمد لله الذي هداني للإسلام ،يقول عمر : ” والذي نفسي بيده لخنزيرٌ كان أحب إليّ من عمير ، حين طلع علينا ، ولهو اليوم أحبُّ إليّ من بعض ولدي ” ، جاء ليقتلَ النور ويطفىء النور، فرجعَ وهو شعلةُ نور اقتبسَه من صاحب النور صلى الله عليه وسلم ، واسمعوا لهذه القصة في زمن مضى لتعلموا ثمرة المراقبة لله عز وجل، رجل اسمه نوح بن مريم كان ذي نعمة ومال وثراء وجاه، وفوق ذلك صاحب دين وخلق ، وكان له ابنة ذات منصب وجمال ،وخلق ودين ، وكان معه عبد اسمه مبارك ، لا يملك من الدنيا قليلاً ولا كثيراً ولكنه يملك الدين والخلق، ومن ملكهما فقد ملك كل شيء ، أرسلَه سيده إلى بساتين له ، وقال له : اذهب إلى تلك البساتين واحفظ ثمرها وكن على خدمتها إلى أن آتيك ، مضى الرجل وبقي في البساتين ، وجاءه سيده ليستريح في تلك البساتين ، فجلس تحت شجرة وقال: يا مبارك، ائتني بقطف من عنب ، فجاءه بقطف فإذا هو حامض فقال: ائتني بقطف آخر إن هذا حامض ، فأتاه بآخر فإذا هو حامض قال: ائتني بآخر، فجاءه بالثالث فإذا هو حامض ، كاد أن يستولي عليه الغضب ، وقال: يا مبارك أطلب منك قطف عنب قد نضج وتأتني بقطف لم ينضج ألا تعرف حلوه من حامضة ؟ قال : والله ما أرسلتني لأكله وإنما أرسلتني لأحفظه وأقوم على خدمته ، والذي لا إله إلا هو ما ذقت منه عنبة واحدة ، والذي لا إله إلا هو ما راقبتك، ولا راقبت أحداً من الكائنات، ولكني راقبت الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فأعجب سيده به وبورعه وقال: الآن أستشيرك والمؤمنون نصحه ، والمنافقون غششة، والمستشار مؤتمن ، فقد تقدم لابنتي فلان وفلان من أصحاب الثراء والمال والجاه، فمن ترى أن أزوج هذه البنت؟ فقال مبارك: لقد كان أهل الجاهلية يزوجون للأصل والحسب والنسب ، واليهود يزوجون للمال ، والنصارى للجمال ، وعلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يزوجون للدين والخلق ، وعلى عهدنا هذا للمال والجاه ، والمرء مع من أحب، ومن تشبه بقوم فهو منهم ، أي نصيحة وأي مشورة؟ نظر وقدر وفكر فما وجد خيراً من مبارك ، قال: أنت حر لوجه الله ، أعتقه أولاً ، ثم قال : لقد قلبت النظر فرأيت أنك خير من يتزوج بهذه البنت قال: اعرض عليها ، فذهب وعرض على البنت وقال لها: إني قلبت ونظرت وحصل كذا وكذا، ورأيت أن تتزوجي بمبارك ، قالت: أترضاه لي؟ قال: نعم ، قالت: فإني أرضاه ، فكان الزواج المبارك من مبارك فكانت ثمرة هذا الزواج أن حملت وولدت طفلاً أسمياه عبد الله ، لعل الكل يعرف هذا الرجل ، إنه عبد الله بن المبارك المحدث الزاهد العابد ، إنه ثمرة مراقبة الله غز وجل في كل شيء ، أما والله لو راقبنا الله حق المراقبة لصلح الحال، واستقامت الأمور.
إذا ما خلوت الدهرَ يوماً فلا تقل خلوتُ ولكن قل علي رقيبُ
ولا تحسـبنَ اللهَ يغفـلُ سـاعةً ولا أن ما تخفيه عنه يغيبُ
فالمؤمن يشعر بالمراقبة الإلهية في سره ونجواه ، وفي هذا من الترغيب والترهيب ما يدفعه إلى الطاعة ويمنعه من المعصية ، { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } أي: المطلع على سرائرهم وضمائرهم { وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } علما وسمعا وبصرا، فعلمك قد أحاط بالمعلومات وسمعك بالمسموعات، وبصرك بالمبصرات، فأنت الذي تجازي عبادك بما تعلمه فيهم من خير وشر ، ترى أحوالهم وتعلم أقوالهم وتحصى أعمالهم ، ولا يخفى عليك شيء من سرائرهم .
إنه لا واعظ أعظم من المراقبة فراقب الله في أفعالك وأقوالك ، واعلم أن الله رقيب عليك ، يروي التاريخ قصة شاب كان أيام التتار ، يريد أن يستقيم ولا يستطيع.. فذهب إلى عالم وقال له: أنا سمعت حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال له رجل دلني على قول في الإسلام لا أسأل عنه أحد بعدك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( قل آمنت بالله ثم استقم ) فسأل الشاب العالم كيف أفعلها ؟ فقال له: إذا أويت إلى فراشك قبل أن تنام فردد في نفسك مراراً حتى يأخذك النوم : الله ناظري، الله مراقبي، الله شهيد علي ، ورددها حتى تنام ، فإذا استيقظت لتبدأ يومك ، فرددها حتى تخرج من بيتك ، أراد العالم بذلك أن يستقر هذا المعنى في ذهن الشاب ليلاً ونهاراً ثم قال له العالم: رددها في يومك ما استطعت، وائتني بعد سنة لتقول لي ماذا فعلت ، ولكنه بعد لقائه بالعالم تغيرت أحواله ، يقول: فكنت إذا هممت بمعصية أُردد الله ناظري ، الله مراقبي، الله شهيد علي، وكنت إذا فعلت خيراً أقول الله ناظري، الله مراقبي، الله شهيد عليّ وكنت أتغير يوماً بعد يوم، ومضت سنة ولم يرجع إلى العالم ، ورأى رؤية ، أنه تاه في الصحراء وجلس على صخرة يبكي ، فإذا بكوكبة من الفرسان يتقدمهم رجل أبيض جميل، فلما رآه يبكي نزل عن فرسه وأخذه واسنتهضه وضغط على صدره وقال: قم يا محمود طريقك إلى مصر من هاهنا ستملكها وستهزم التتار. فكان الشاب هو قطز الذي استيقظ بعد هذه الرؤية وذهب إلى العالم الجليل العز بن عبد السلام الذي قال له: ستكون رؤية خير، وفعلاً تحققت الرؤية .
كثيراً ما يتجرأ الإنسان إذا كان وحيداً غائباً عن أعين الناس على أمور لا يتجرأ عليها أمامهم ، قد يبتعد الإنسان عن المعاصي والذنوب إذا كان يحضره الناس وعلى مشهد منهم، لكنه إذا خلا بنفسه، وغاب عن أعين الناس، أطلق لنفسه العنان، واقترف السيئات، وارتكب المنكرات، فما أعظم كفر من تجرأ على معصية الله لاعتقاده بأن الله لا يراه ، وما أشد وقاحته، وأقل حياءه إن كان يعلم اطلاعه عليه وتجاهل قوله تعالى : { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } ، وما علم أن منزلة المراقبة من منازل { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وأنها بالنسبة للعبد دوام علمه وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه ، واستدامته لهذا العلم واليقين بذلك هي المراقبة ، التي هي ثمرة علمه بأنَّ الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله مطلع على عمله ، ومن راقب الله في خواطره ؛ عصمه الله في حركات جوارحه ، قال أحدهم : والله إني لأستحي أن ينظر الله في قلبي وفيه أحد سواه وقال ذو النون : علامة المراقبة ..إيثار ما أنزل الله ، وتعظيم ما عظَّم الله وتصغير ما صغَّر الله ، وقال الشافعي : أعزّ الأشياء ثلاثة الجود من قلة ، والورع في خلوة وكلمة الحق عند من يُرجى أو يُخاف ، وقالوا : أعظم العبادات مراقبة الله في سائر الأوقات ، وقال بعضهم: ليس الخائف من بكى فعصر عينيه إنما الخائف من ترك ما اشتهى من الحرام إذا قدر عليه .
اعلموا أيها المسلمون أن من راقب الله تعالى في أفعاله وأقواله كان من أهل الإحسان ، وأهل الإحسان هم الذين قال الله تعالى عنهم :{ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يَرْهَقُ وجوهَهُم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أولئك صحاب الجنةِ هم فيها خالدون } يونس 26 .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *