ثمن الشهادة النصر


إن كل نصر له ثمن وضريبة ، لا بد من دفعها نفرح لنصر المقاومة وصلابتها وانجازاتها المشرفة والبطولية؛ ونسر ونبتهج بمنظر وجه “نتنياهو” الذي لفه الخزي والعار خلال مؤتمره الصحفي ، وبالمقابل؛ نحزن لثمن وضريبة النصر المرتفعة من النساء والشيوخ والأطفال ، واستشهاد ثلاثة من قادة المقاومة، واستشهاد أبناء وزوجات البعض الآخر ؛ إلا أن ما يثلج الصدر ، أن دماؤهم لا تذهب سدى؛ بل تنير الطريق نحو دحر الاحتلال والطغيان والظلم .
فمن يظن أن النصر والتحرير ، يأتي على طبق من ذهب ، فهو مخطئ، لأن ثمن الحرية غالي ونفيس والاحتلال يألم كما نألم، ونرجو من الله ما لا يرجو ، نفخر بما أنجزوه ، ونحزن على فراق من قدم أغلى ما لديه على مذبح العزة الكرامة والحرية ، ونفرح لنيلهم الشهادة كأسمى أمنية ولسان الحال يقول: نحن نقدم هؤلاء الشهداء ليس من باب الترف ، ولا لأن قلوبنا متحجرة فنحن آباء ، ونعرف ماذا يعني فقدان الولد والأب والمقاوم؛ ولكن لأن فلسطين غالية ولأن الجنة أغلى، ولأن التحرير والكرامة أفضل من أن نظل سنوات طويلة تحت الاحتلال والحصار .
يقول محمود الزهار بعد فقدان ولديه شهداء :” من يظن أننا بهذه الجرائم سوف نتنازل أو نتراجع فهو واهم، إننا نتشرف باستشهاد أبنائنا والشهداء جميعهم واحد، ولو قتل الاحتلال منا ألف قائد فلن نتراجع”.
والسؤال هنا : هل سينجح اليهود في قتل المقاومة بقتل بعض رموزها ؟
وها هي الهجمة على المقاومة تشتد وتزداد ضراوة ولكن هذا لا يعني أن العدو في وضع جيد، أو انه قريب من تحقيق أهدافه، بل على النقيض فهذه الهجمة ، تعكس حالة الخوف والإحباط واليأس الذي يعيشه الاحتلال، ولو نظرنا إلى الإجراءات الأمنية المشددة ، التي أحالت حياتهم إلى جحيم لأدركنا الحقيقة التي تقول : إنهم على حافة الانهيار المعنوي والنفسي ، وأن المعركة على غير ما يهوى اليهود ، فقد بدت واضحة بين من يملكون طاقات روحية ومبدئية هائلة، وبين من يملكون آلة الدمار الكبيرة ، ويعلمون أن المقاومة لن تتراجع أمام ضرباتهم، ويدركون أن القضاء على بعض قادتها ، لا ولن يضعفهم ، ومهما كان حجم الهجمة ، فالنتيجة الأكيدة أن المقاومة ستزداد قوة وصلابة ، كما أنها ستكرس حق الشعب الفلسطيني ، وهذا يعني أن كل التنازلات التي جرت عبر المفاوضات ستتغير ، أي أن سقف التطلعات السياسية للشعب الفلسطيني سيرتفع وإذا نجح العدو الصهيوني في اغتيال بعض قادة المقاومة، وسينجح في إحداث تخريب واسع وتدمير كبير، ولكنه سيفشل في توفير الأمن لشعبه ، وبسبب فشله تأتي هذه الهجمة على المقاومة التي تشكل خطرا استراتيجيا على المشروع الصهيوني ، الهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني
أثبت التاريخ أنَّ الاحتلال الصهيوني واهمٌ ، حين يظنَّ أنَّ اغتيال قادة المقاومة ، يضعفها أو يشتّتها أو يفتّ من عضدها ويسقطها؛ فإن غيّب الاغتيال أجسادهم ، فهم حاضرون بسيرتهم الجهادية ، وفكرهم المقاوم ، وكلماتهم الحيّة التي ستظل قدوة للأجيال ، ومنارة يهتدون بها في طريقهم نحو التحرير والنصر، اللهم ارحم أروحهم الطاهرة وأرواح جميع إخوانهم الشهداء ، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه .
إن دماء شهداء المقاومة ستكون لعنةً على الكيان الصهيوني ، وسيدفع ثمن جريمته، وستكون هذه الدماء مدادًا ، لمواصلة اشتعال المقاومة ومواصلتها وصمودها في الميدان ، وإننا إذ نتقدم بالتهنئة إلى شعب غزة ، وإلى المقاومة الباسلة ، على استشهاد قادتها الكرام، فدماءهم لن تذهب سُدًى وستكون سبب للعزة والتحرير ، وتُنير طريق الصمود والتضحية والفداء ، للشعب الفلسطيني الذي اختارهم الشعب، لا لمناصب أو كراسي وإنما اختارهم ، لأنهم أهلٌ لذلك، واختارهم ليتقدّموا صفوف المقاومة قبل جنودها.

إن الشعوب تُقاد بالأفعال لا الأقوال، وقادة يخوضون المعارك ، شعارهم اطلب الموت توهب لك الحياة؛ ويؤمنون أن الموت في سبيل الله خيرٌ من عيشة الذل، ويخوضون المعارك ، ومن ورائهم الملايين ، يؤازرونهم ويقفون معهم ، ويصدون عنهم ،في الجهاد في سبيل الله ، وطلب الاستشهاد الذي يتمناه القادة قبل غيرهم لهذا لا يختبئون أو يُطأطئون رءوسهم، ولكنهم يتقدّمون ميادين المعارك ويقدِّمون دماءهم في سبيل الله ، وهذا يزيد المقاومين قوةً وصلابةً؛
فإن استشهد أحد القادة ،فسيخرج من بعده عشرات من أمثاله؛ يدافعون عن كرامة الأمة وحقوقها أمام هؤلاء اليهود، لذا لا داعيَ للقلق على المقاومة؛ فهم رجال يحبون الموت كما يكرهه اليهود.
إن مما يحز في النفس أن يردد البعض بهذه المناسبة مقالة المنافقين من قبل : ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ آل عمران . ذكرت الآية مقولة عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾ مع من تبعه من المخذولين المخذلين في غزوة أحد، ظنًّا منهم أنهم هم من تصرف التصرف الصحيح برجوعهم من الغزوة وسلامة أبدانهم من القتل، فرد الله عليهم قرآناً يتلى إلى يوم القيامة ليتعظ به من يأتي بعدهم ، يعلق سيد قطب على هذه الآية فيقول: “فهم لم يكتفوا بالتخلف – والمعركة على الأبواب – وما يحدثه هذا التخلف من رجة وزلزلة في الصفوف والنفوس وبخاصة أن عبد الله بن أبي كان ما يزال سيداً في قومه ولم يكشف لهم نفاقه بعد ولم يدمغه الله بهذا الوصف الذي يهز مقامه في نفوس المسلمين منهم؛ بل راحوا يثيرون الزلزلة والحسرة في قلوب أهل الشهداء وأصحابهم بعد المعركة وهم يقولون: ﴿ لو أطاعونا ما قتلوا ﴾ . فيجعلون من تخلفهم حكمة ومصلحة ويجعلون من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه مغرماً ومضرة. وأكثر من هذا كله يفسدون التصور الإسلامي الناصع لقدر الله ولحتمية الأجل ولحقيقة الموت والحياة وتعلقهما بقدر الله وحده.
إن الموت لابد منه ومن لم يمت بالسيف مات بغيره، ولكن شتان بين الميتتان، فإن من يمت مدافعاً عن دينه ووطنه ، حامياً لحرمات الله، رافعاً كلمة التوحيد، لاشك أنه هو المنتصر الحقيقي حتى لو أزهقت روحه ، وهو الحي عند ربه يرزق، ولذلك بعد هذه الآيات عقب الله بقوله: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ ليتبين أن ما هم عليه هو الحق وأن الموت في سبيل الله موت مختلف يختلف عن الموت في غيره ففيه ميزات تجعل الإنسان يطلبه ويسعى إليه. ففي مسند الإمام أحمد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تردُ أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحُسن مَقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا! لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب! فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم ) فأنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ آل عمران . يعلق ابن عاشور فيقول: وقد أثبت القرآن للمجاهدين موتا ظاهرا بقوله: ﴿ قتلوا ﴾ ونفي عنهم الموت الحقيقي بقوله: ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ فعلمنا أنهم وإن كانوا أموات الأجسام فهم أحياء الرواح، حياة زائدة على حقيقة بقاء الأرواح غير مضمحلة، بل هي حياة بمعنى تحقق آثار الحياة لأرواحهم من حصول اللذات والمدركات السارة لنفسهم، ومسرتهم بإخوانهم. ثم يعقب المولى – عز وجل – بقوله: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ؛ ليعلم المؤمن المنهج الصحيح في تعامله مع الأحداث، وأن المهم الاستجابة لأمر الله ورسوله، وليس المهم سلامة الأبدان.
إن مثل هذه الأحداث وهذه الأقدار التي يجريها الله عز وجل هي للتمحيص والتهذيب والتربية ، ولا يطيل الله عز وجل الغم على المؤمنين ولا يمد الفرحة للكافرين، فما أشبه الليلة بالبارحة، والله يعيد التاريخ، ويجعل هذا القرآن دستوراً للأمة يتمسكون به، ويجعلونه دليلاً لهم في غياهب الأحداث، فتطمئن نفوسهم وتسكن لقدر الله، وتزداد استبشاراًً بنعمة الله عليهم، فعجباً والله لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير.. “. في مثل هذه الأحداث يطفح على السطح أهل النفاق ومن اغتر بمنهجهم الكفري وتحليلهم الصاد عن سبيل الله، ولك أن تنظر إلى بعض تعليقات هؤلاء القوم على مجريات الأحداث، تجد الاتهام السافر للمجاهدين وعلى رأسهم حماس وأن عنترياتهم جرت الويلات للأمة، وأبادت أهل غزة، وبعدها تظهر الإشاعات عنهم بأنهم وأنهم، زيادةً في الصد عن سبيل الله وعن مقاومة اليهود.
ومن المواقع التي تولت كبر هذه التحليلات (موقع إيلاف)، الذي تخصص في لمز المجاهدين ورميهم بالإرهاب، مستغلين أي حدث من أجل توظيفه لمبادئهم الفاسدة، فيقول أحدهم: “إن وضع حماس مع إسرائيل يشبه طفل سفيه يلاحق ملاكم شرير ويشتمه بأمه وأخته مراهناً (والأطفال خبثاء بالفطرة)”. ألا إنهم هم الخبثاء ؛ فانظر كيف يعظمون العدو ويثبطون أهل الجهاد، ولقد قال الله عز وجل في سياق الآيات الماضية: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ الآيات السابقة نزلت في غزوة أحد ونحن نتذكرها اليوم لأن الله عز وجل ذكرها في كتابه لأهميتها ولعظم الفائدة منها ومن دروسها وخاصة مع أحداث غزة.
إذن فقد تجردوا من نفوسهم ومن حولهم ومن قوتهم ومن عددهم ومن أي شيء إلا أن يقولوا: الله كافينا وهو نعم الوكيل لمن عجز عن إدراك بغيته لقد عرفوا الأمر المهم، وهو أن يكون كل منهم دائما في رعاية ربه، وقد أخذ صحابة رسول الله وآل بيت رسول الله هذه الجرعة الإيمانية واستنبطوا منها الكثير في حل قضاياهم. واليوم في أحداث غزة، هل نستنبط منها الكثير لحل قضايانا ، حسبنا الله ونعم الوكيل.
اللهم عجل بفرج إخواننا في غزة، وانصرهم على القوم الكافرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *