جريمة الإنفاق غير المشروع


قال تعالى:﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقولُ ربي أهانن ﴾ الفجر 15 ، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس عطائي إكرامًا ولا منْعي حِرْمانًا ، عطائي ابْتِلاء وحِرْماني دواء ) فالإنسان مُبْتَلى فيما أُعطي وفيما مُنِعْ لذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول : (اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله عونا لي فيما تحب، وما زللت عنِّي ما أحبّ فاجْعَلْهُ لي فراغًا فيما تحبّ ) . فالمال إن استُعمِل في طاعة الله تعالى، فهو نعمة، وإن استُعمِل في معصية الله تعالى، فهو نقمة وباب سوء وعذاب؛ لذا يَحرُم الإنفاق في الطرق غير المشروعة كما هو حال مالكي المليارات هذه الأيام؛ قال صلى الله عليه وسلم: (إن رجالاً يتخوَّضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة) لقد عميت عيونهم عن رؤية نعم الله، فغفلت عن شكرها، فما أعطى الله المال إلا لنشتري به الجنة : ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ التوبة111. فَهِم عثمان بن عفان هذا فاشترى الجنة مرتين: مرة يوم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من جهز جيش العسرة فله الجنة )، فجهز جيش العسرة ومرة يوم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من حفر بئر رومة فله الجنة ) فحفر بئر رومة .
دخل مقاتل بن سليمان رحمه الله، على المنصور يوم بُويعَ بالخلافة ، هنا قال أبو جعفر لنفسه: جاء ليعكر علينا صفو يومنا سأبدأه قبل أن يبدأني وقال له: عظنا يا مقاتل قال مقاتل: أعظُك بما رأيت أم بما سمعت؟ قال: بما رأيت قال: يا أمير المؤمنين إن عمر بن عبد العزيز أنجب أحد عشر ولدًا وترك ثمانية عشر دينارًا، كُفِّنَ بخمسة دنانير واشتُريَ له قبر بأربعة دنانير وَوزّع الباقي على أبنائه. ومات هشام بن عبد الملك فكان نصيب إحدى زوجاته الأربع ثمانين ألف دينار، غير الضياع والقصور، كان نصيب الزوجات الأربع هو ثلاثمائة وعشرون ألف دينار، وهذا هو ثُمن التركة فقط والله يا أمير المؤمنين لقد رأيت بعيني هاتين في يوم واحد ولداً من أولاد عمر بن عبد العزيز يحمل على مائة فرس في سبيل الله، وولدا من أولاد هشام بن عبد الملك يسأل الناس في الطريق. هذا عمر عندما سأله الناس وهو على فراش الموت: ماذا تركت لأبنائك يا عمر؟ قال: تركت لهم تقوى الله، فإن كانوا صالحين فالله تعالى يتولَّى الصالحين، وإن كانوا غير ذلك فلن أترك لهم ما يُعينهم على معصية الله تعالى. فتأمَّل كثير من الناس يسعى ويكد ويتعب ليؤمن مستقبل أولاده ظنًا منه أن وجود المال في أيديهم بعد موته أمان لهم، وغفل عن الأمان العظيم الذي ذكره الله في كتابه: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾النساء 9. وتأمل في من ورث الملايين بل المليارات، ومع ذلك لم يوظِّف تلك الأموال في خدمة دينه ومجتمعه؛ بل صرفها لخدمة أعداء الله وهذا يدلنا على أنه لا قيمة لغنى الجيوب مهما بلغت أرقامه وأرصدته ، بل القيمة الحقة تكمن في غنى القلوب وقناعتها وإيمانها بأن الإنفاق على الشعوب وصلاحها أجدى وأنفع من المال الذي ينفق على الملذات والأتوات ، فهل من مدكر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *