جريمة الصد عن دين الله

الصد عن سبيل الله ، يدور مع الكفر، حيث دار، ولا ينفك عنه؛ فجميع من وُصِفوا بالصد عن سبيل الله بمختلف فئاتهم هم ممن كفروا بالله تعالى، ظاهرا أو باطنا. وموضوع الصد عن سبيل الله ، يتناول كل الأعمال الموجهة ضد الإسلام، ومنع الناس من قبول دين الله ، كمنهج للحياة والاستقامة على ذلك ، وقد جاء التحذير ممن يصد عن سبيل الله فقال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾آل عمران 118. لا أرى تحذيراً من خطر اختراق الأعداء لصفوف الأمة ، في القديم والحديث ، أشد من هذا التحذير الإلهي ، الذي إذا لم تدركه الأمة ، وتعمل على مقاومته ، تكون فريسة مخططات أعدائها ، الذين لا يألون جهدا في العمل على تدميرها. ولهذا جاء النهي عن اتخاذ أولياء وأصفياء ، من غير المؤمنين, لأنهم غالباً ما يطلعون على أسرار من يوالونهم ، ويخونون حقوق الموالاة, بل هم مجتمعون على إيذاء المؤمنين ، بكل السبل, سواء بقوَّتهم وسلاحهم , أو بألسنتهم ، وإن تظاهروا بغير ذلك من كراهيتهم للحق وأهله .
إن المعركة مع أعداء الدين الإسلامي ، لن تتوقف ، وإن الصراع بين الحق والباطل باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها كما قال سبحانه : ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾البقرة 217. فهم لا يريدون للإسلام ، أن يحكم ويعطي كل ذي حق حقه ، لذلك اجتهدوا في محاربته ، ورد الحق بالباطل لأنهم يريدون أن نكون مثلهم ، كما قال تعالى : ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾النساء 89 ولكنهم لن يفلحوا ، لأن الدين باق ، والله متم نوره ولو كره الكافرون .
إن الصد عن سبيل الله ، مشكلة قديمةً وحديثةً، وإن أعداء ديننا ، سواء كانوا كافرين ، أو منافقين ، أو أهل كتاب ، فإنهم يتربصون الدوائر، بالإسلام والمسلمين ، ويترصدون المسلمين الصادقين في كل مكان ، ليصدوهم ويفتنوهم عن دين الله، فهو إذن ، صراع منذ بدء الخليقة ، ومع كل الأنبياء ، وعبر العصور والأجيال ، وحتى يومنا هذا وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها والصدُّ عن سبيل الله ، جرثومةٌ قديمة، زَرَعها الكفَّار قال تعالى﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ فصلت 26 ، ومن صور هذا الصد ، أن يُسمى المسلمون اليوم ، بالإرهابيين والمتطرفين وغيرها من المسميات، لا لشيء ، إلا لكونهم آمنوا بالله ، وجاهدوا في سبيله والصدُّ عن سبيل الله ، معركة متجدِّدة وعداوة باقية، وأسلوبٌ متواصاً به، عُودِي به الأنبياء أزمانًا، واشتكى الصالحون منه دهورًا ، قال تعالى : ﴿ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾الذاريات53 . والصدُ سبيل المفسدين وحِيلة المجرمين، باقٍ ما بَقِي للحقِّ صوتٌ وأعوان، ورغم ذلك ، سيبقى الحقُّ ما بَقِي الليل والنهار روى الإمام أحمد بسند صحيح عن أُبيِّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بَشِّرْ هذه الأمة بالسَّناء والرِّفعة والدِّين والنصر والتمكين في الأرض) فالعِزُّ والرِّفعة وظهور الحقِّ ، هو قَدَرُ الله تعالى لهذه الأُمَّة ولن يخلوَ عصرٌ ، من عصور أمة الإسلام من طائفة تقوم بالحقِّ وتقول به، ولن يضرّ الدين ، هذا الصد عن سبيل الله ، مَهْمَا طالَ واشتدَّ، لأنَّ الله سبحانه قد اختاره واصطفاه، ليبقى في الأرض، فقد روى التاريخ أحداثًا وصورًا ،كاد فيها الباطل وزاد، فذهب هو وكيدُه، وبَقِي نورُ الحق ، فقد روى أحداثاً ، في الصدِّ عن سبيل الله ذاق المسلمون فيها ، مواجع وفواجعَ تفوق ما يعانيه المسلمون هذه الأيام ، لأنها وصلتْ إلى حدِّ التصفية ، حتى دبَّ اليأس في نفوس أهل ذلك الزمان ، يوم سقطت بغداد عاصمة المسلمين ، في عهْد العباسيين ، وقُتل فيها ما يُقارب مليوني مسلم، حتى قال بعض المؤرِّخين عن تلك الحقبة : “لن تقوم للإسلام بعده قائمة”. ولكن أمة الإسلام لن تموت ، وإن الدين لا بد منصورٌ، والحقُّ ظاهر ، فتاريخ الإسلام حافل بالمواجهات ، بينه وبين أعدائه والمتآمرين عليه ، وفي كل مرة يخرج منتصرا ، قال تعالى : ﴿ إنَّهُم يَكِيدُونَ كيدا وَأكيدُ كيدا ، فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمهِلهُم رُوَيدا ﴾ فقد خاض حرباً ضد التآمر الوثني ، والتآمر اليهودي ، والتآمر الصليبي ، والتآمر المجوسي ، فانتصر الإسلام ، وسقط التآمر والمتآمرون . لأن الإسلام دين الحق ومنهج الحق، وصراعه مع الباطل صراع أبدي شعاره قول الله سبحانه﴿ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ﴾ وقول الله تعالى : ﴿ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ﴾ فكم بذلوا من المليارات ، للصد عن دين الله ، وتنصير المسلمين، وتشويه دينهم! وكم عقدوا لهذه الغاية من المؤتمرات ، فخيَّب الله مسعاهم بل غزاهم الإسلام بنوره وهداياته في بلادهم حتى قال أحد بابوات الفاتيكان ، قولته المشهورة: “هيا تحرَّكوا بسرعة لوقف الزحْفِ الإسلامي الهائل في أوربا”. ما يدل على أن الإسلام مستهدف وأن أعداء الأمة يغيظهم اتباع منهج الله ، فسعوا إلى إذكاء الأحقاد المذهبية لتحقيق ما يصبون إليه ، بأعمالهم الإجرامية ، مستحلين الدماء المعصومة ومنتهكين حرمة بلاد المسلمين فتراهم لا يأبهون بإزهاق الأرواح ، ولا يتورعون عن انتهاك حرمات الله ، ولا يعظمون شعائره ، ومن يرى أعمال الصادين عن سبيل الله ، يجدها لا تخدم إلا الأعداء لأنهم يتحينون الفرص ، التي تكون فيها الأمة ، مشغولة ببناء نهضتها ، ودفع أعدائها ، ليكونوا أداة هدم وتخريب وإشاعة للفتنة والفوضى ، ولكن الله لهم بالمرصاد ﴿ وما الله بغافل عما يعملون﴾ يسجل عليهم معرفتهم بالحق الذي يكفرون به ، ويصدون الناس عنه ، فقال الله تعالى : ﴿ لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا ﴾ إنها لفتة قرآنيةٌ ذات مغزى كبير تدل على أن سبيل الله ، هو الطريق المستقيم ، وما عداه عوج غير مستقيم وحين يصد الناس عن سبيل الله ، وحين يصد المؤمنون عن منهج الله ، فإن الأمور كلها تفقد استقامتها ، والموازينَ تفقد سلامتها ، ولا يكون في الأرض إلا العوج الذي لا يستقيم ، وظهور الفساد بأشكاله وألوانه ، فساد الفطرة بانحرافها ، وفساد الحياة باعوجاجها ، وفساد في التصور والسلوك والمعاملات وفساد ما بين الناس من ارتباطات ، وفساد الصادين عن سبيل الله الذين مع الكفار ، في حربهم الظاهرة والخفية ، ضد الإسلام والمسلمين ، وكثيراً ما نشاهد من يتكلمون ، في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية ، باسم الدين وهم يعيثون في الأرض فساداً ، همزاً ولمزاً ، وغمزاً وسخرية ، وخيانة وتآمرا تفضحهم أفعالهم وتصرفاتهم ، لأن ظاهرهم ، يخالف باطنهم ، وما ينخدع بهم إلا الجاهلون لأنهم كما قال تعالى : ﴿ يَاًمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ﴾التوبة 67. وصدق ابن القيم رحمه الله في وصفهم : “فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه، وكم من عَلم له قد طمسوه، وكم من لواءٍ له مرفوع قد وضعوه… وقال : فلا يزال الإسلام وأهلُه منهم ، في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شُبَهِهِم ، سرية بعد سرية ، ويزعمون أنهم بذلك مصلحون ، وقد وصفهم الله بقوله : ﴿ ألا إنهم هم المفسدون، ولكن لا يشعرون﴾ وقال رحمه الله: احذر من عدوين ، هلك بهما أكثر الخلق : صادٌ عن سبيل الله بشبهاته ، وزخرف قوله ، ومفتون بدنياه. لذلك ينبغي التصدي لهم بكل الوسائل الرادعة ، لأنهم خطر دائم يتهدد معالم الإيمان والدين .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *