حاجة الأمة إلى الإصلاح

الإصلاح : تغيير الأحوال من السيء إلى الحسن ، ومن الفوضى والمخالفة إلى الاستقامة والالتزام ، وهو مطلب يتمناه ويطلبه كل الناس ، لأن توقفه يؤدي إلى هلاكهم ، هناك من يظن أن الإصلاح هي إعطاء الناس ما يشتهون ، وهو ما يسمونه الديمقراطية؛ أي أن الشعب يحكم نفسه بنفسه ، ولا يُحكم فيه بشرع الله الذي خلقه ويعلم مصالحه ، وإني أعتقد أن كافة الإصلاحات والتغييرات التي تتبناها الأنظمة العلمانية ، لن تفلح في حل المشكلات والأزمات المختلفة التي تعاني منها هذه الأنظمة ، ولا يمكن أن تحقق إصلاحاً لأن أهواء الناس تختلف ، ورغباتهم تتنوع، بل إن النتيجة من وراء ذلك هي الفساد؛ قال تعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ﴾ المؤمنون 71؛ ولذلك لم يكل الله الناس إلى أهوائهم ورغباتهم ، بل رسم لهم طريقاً يسيرون عليه في حياتهم ، فلا صلاح ولا إصلاح ، إلا باتباع شرع الله والتحاكم إليه وقد سمّى الله اتباع شرعه إصلاحا ، ومخالفة شرعه إفساداً فقال تعالى:﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ الأعراف 85؛ فإصلاحها باتباع شرعه ، وإفسادها بمخالفة شرعه؛ فالله أصلح الأرض بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، فإذا قام الناس باتباع الرسل وعملوا بشرع الله صلحوا ، وإذا كانوا بخلاف ذلك أفسدوا في الأرض وإن كانوا يزعمون أنهم يصلحون في الأرض كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ البقرة 11. والإصلاح المتمثل باتباع شرع الله ضمان من الهلاك كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ هود 117 ، والإصلاح في الأرض إنما يتحقق بتحكيم شرع الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ الحج 40 ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( لحدّ يقام في الأرض خير لها من أن تمطر أربعين صباحاً) وهذا هو إصلاح الأرض ، وإصلاح أهل الأرض ، وما خالفه فهو تدمير للأرض ومن عليها ، وإن قيل أنه تعمير وإصلاح؛ فهذا من الغش والخداع ، كمن ينادون بالإصلاح وهم يطبقون أنظمة الكفر ، ويعطلون شرع الله ، الذي جعل خيرية هذه الأمة وقوامها واستمراريتها ، منوطاً بقيامها بالحق ، والدعوة إليه والنشر له ، واستمرار حراسته والدفاع عنه ، حيث لم يرض الله لها إلا أن تكون صالحة بذاتها ، مُصْلِحةً لغيرها ، مُضَحِيةً في سبيل تمكين الحق ، مدافعة للباطل ، حتى تستحق صفة الخيرية ، قال تعالى : ﴿ كُنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ﴾ آل عمران 11 ، هذه الخيرية التي تجيء ثمرة التكليف والمجاهدة والمعاناة ، والتضحيات في سبيل التصحيح ، لتقويم سلوك المجتمع المسلم بشرع الله ، وإيقاف تسلط الإنسان على الإنسان الذي هو مصدر الشر والشرك في العالم ، وتأمين حرية الإنسان في الاختيار ، وتحقيق عبوديته لله ، وتحريره من سائر العبوديات ، وفي ذلك استرداد لإنسانية الإنسان ، وتحقيق كرامته التي تميزه عن سائر المخلوقات . والأمة المسلمة لا يكون الحاكم فيها صالحاً في نفسه منصرفاً عن غيره، مشتغلاً بحاله ، بل هو صالح في نفسه ، ومصلح لما حوله ، فلا يحرم شعبه حقه عليه في أن يحكمهم بما شرع الله ، لا بما شرعه هو وبطانته ، الأمر الذي يسقط حبه وهيبته والثقة فيه فتمتلئ القلوب والعقول كرهاً له ، واتهامه بالخيانة ، فيسهل على شعبه الخروج عليه ، فيفسدون في الأرض ، فيكون المسؤول عن ذلك إذ منع شعبه حقه ، وإذا ما كان الدال على الخير كفاعله ، فإن الحامل لغيره على الشر كفاعله ، وما خرجت أمة قط على إمام عادل لأن العدل أساس الملك ، وإن الله ليقيم الدولة العادلة ، ولو كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ، ولو كانت مؤمنة، وبالظلم تخرب الديار العامرة ، ولا يكون عدل البتة ، إذا لم يك وفقاً لما أنزل الله عز وجل ، إذ بشرع الله تستقيم حركة الإنسان وسلوكه فيما يملك ، فيعلم أن لحرية التصرف فيما ملَّكه الله تعالى حداً يقف عنده ، لا يتعداه لأن في تعديه ضرباً من الاعتداء على الآخرين ، كما أنَّ صلاح الحاكم في نفسه غير كاف ، بل فرض عليه أن يكون صالحاً ، وأن يكون مصلحاً لما حوله ، قائماً بالاحتساب والرقابة على ما حوله فلا يدع أيدي العابثين ممتدة بالشر ولإفساد والفساد ، وإذا رفق الحاكم برعيته وحرص على مصالحها ، في دينها ودنياها ، أحبته رعيته ودعت له بخير، وقد رغَّب النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء لولي الأمر الصالح الرفيق، وبيّن منزلة الحاكم المحبوب من رعيته فقال: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ) صحيح مسلم: 1855.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *