إن الأمة لا تحتاج إلى شيء مثل احتياجها إلى العدل ، الذي لا يتحقق ، إلا بجعل السيادة لشرع الله ، وبدونه لا يتحقق العدل ولا يقوم الحق ، ولا تنهض الأمة ، لأن الحياة الراقية المتصفة بالقيم الأخلاقية لا يمكن أن توجد إلا في ظل الإسلام ، وما ذاقت الأمة طعم العدل إلا في ظل دول الإسلام ، وما حرمت ذلك إلا في ظل الجور والظلم ، وما ذاقت الذل والهزيمة والانحطاط إلا بعد وقوع المسلمين تحت النظام الرأسمالي ، الذي قام على فصل الدين عن واقع الحياة ، وإقامة الحياة على الأساس المادي المحض ، ولذلك فإن العدل لا يتحقق إلا في الاحتكام إلى الشرع بدليل قوله تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } نزلت الآية تأمر الحكام بوجوب الحكم بين الناس بالعدل ، الذي لا يتحقق إلا بتطبيق شرع الله ، والتقيد بما انزل الله لأن العدل في شرع الله ، وفي غيره الظلم ، ومن ولاّهُ الله تعالى شؤون خلقه ، وجبَ عليه أن يحوطهم بالنصح، ويحكمهم بالعدل، ومن قصّر في حق من حقوق الرعية ، فهو غاش لها ، وإن مات على ذلك حرّم الله عليه الجنة، وهذا وَعيد شديد لمن ولي أُمور الناس فلم يعدل بينهم ، ولم يتق الله في معاملتهم ، عن معقل بن يسار قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما من عبد يسترعيه الله رعية فيموت يوم بموت وهو غاش لرعيته، إلا حرّم الله عليه الجنة )
فالعدل إذن مفتاح استقرار واطمئنان ، وحافز على العمل والإنتاج ومصدر النماء ، وكثرة الخيرات والأرزاق ، وزرع الثقة بين أفراد الأمة يقول ابن خلدون: “اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهبٌ بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذٍ من أن غايتها ومصيرها انتهابها بين أيديهم ، وعلى قدر الاعتداء ونسبته ، يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب والعمران” ولذلك فالبديل في المجتمع إذا اختفى العدل ، المشاحنات والفوضى والاضطراب ، كغضبة الشعوب المحتلة ضد محتليها أو ثورات الشعوب لرفع الظلم الواقع عليها من حكامها ، بالغلاء والبطالة والسرقات والاضطهاد ، وقد كان للعدل شأنٌ لدى الحكماء في التاريخ ، حين جُعل أساسًا للملك والحكم والسياسة؛ حيث قيل : ” إن العدل أساس الملك ” وما ذلك إلا لقيمة العدل وتأثيره في النفس والمجتمع وحياة البشر، وفي منهج الحكام والساسة في إدارة البلاد ، وقضاء مصالح العباد ، وهذا هو لبُّ السياسة. والعدل حين يسود ، تضيق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويسهل تدارك الفقر ، ومعالجة البطالة ، ومحاربة الفساد لأن أهم مقومات العدل تكمن في الاعتدال وعدم التطرف ، وإن الأمة اليوم في أمسِ الحاجة إلى العدل الذي أقامه الإسلام لإسعاد الدنيا وتصحيح مسار البشر ، ولا سبيلَ لاستقرار العالم إلا بالرجوع إلى العدل على كافة المستويات ، عالميًّا ودوليًّا وإقليميًّا ووطنيًّا فرديًّا وجماعيًّا من المساواة والحرية والعدالة والإقرار بالحقوق لأصحابها ، فهل يحسن العقلاء في هذا العالم من الحكام والسياسيين والمفكرين تلقي هذه الدعوة ، لاستعادة العدل الغائب ، وهل يفتح العقلاء عقولهم وقلوبهم ، ويتخلصوا من أي ميلٍ أو هوى ليخرجوا الأمة من الاضطراب والفساد الممسك بخناق العباد ، عندها إذا سلم السلطان من الحيف والظلم لم يُزاحمه أحد في الفضل ، بل إن مرتبة السلطان العادل ، تزيد في الفضل على قوام الليل وصوام النهار؛ لأن نفع هؤلاء لا يتعداهم على غيرهم ، أما نفع الأمام العادل فيتعداه إلى جميع أفراد الأمة ، إذ بتدبيره وقيامه على شئون أمته ، وقضائه لحاجاتهم وأرزاقهم ، كأنه عبد الله بكل أنواع العبادات ، قال الثوري: ” صنفان إذا صلحا صلحت الأمة وإذا فسد فسدت الأمة : السلطان والعلماء “. وقال الحسن البصري: ” الإمام العادل قوام كل مائل, وقصد كل جائر ، وصلاح كل فاسد, وقوة كل ضعيف ونصفة كل مظلوم ومفزع كل ملهوف , وهو كالقلب بين الجوارح تصلح الجوارح بصلاحه وتفسد بفساده.
