في زمن الظلمات وأيام الفتن ، يكون لصوت الحق قيمة ، ولصيحته في وجه الباطل أثر ، فكم من كلمة حق غيرت مجرى التاريخ ، وكم من موقف مشرِّفٍ أزال ركام الباطل ، فالجهر بكلمة الحق في زمن الفتنة لها وزنها ، ولها صداها ، ولها قوتها ، بل لا أبالغ إن قلت أن الأمة تنتظرها لتستقوي بها -بعد الله– وتكون بمثابة الزاد الذي يحركها ، والنور الذي ينير لها الطريق ، إن كلمة الحق التي تقال لله وبالله ومع الله ، يستعذب قائلها في سبيلها البلاء ، ومن أجلها يعاني أصناف الاستعداء ، فقد غيرت كلمات الحق مجرى التاريخ ، حين لم يغفل أصحابها عن مهمتهم ، ولم يعجزوا عنها ، ولم يؤثروا فتن الدنيا وملذاتها ، وإنما صاحوا في وجه الباطل ، ولم يخشوا في الله لومة لائم ، ما أحوجنا في هذه الأيام إلى من يجهر بكلمة الحق بصدق وإخلاص ، إذ لو قام دعاة الإصلاح بواجبهم خير قيام لتغيرت أشياء كثيرة في واقعنا ، لكنهم قلة ومحاصرين .
لقد انقلبت الموازين وطمست الحقائق وأصبح الحلال حراما والحرام حلالا، والسنّة بدعة والبدعة سنّة، فاستشرى الفساد حتى أصبح حديث الناس، وأصبح لا يكاد يخلو مجلس من الحديث عن الفساد واستغلال المال العام، واستغلال السلطة والنفوذ ، وضياع مصالح الناس، وسوء تنفيذ المشاريع بل وحتى غيابها، وعدم حصول الناس على قضاء مصالحهم إلا بطرق غير مشروعة، حتى بات لدى الناس القناعة التامة، أنه لا بد من أن تدفع حتى تستطيع إنهاء معاملتك بيسر وسهولة، بل وحتى تستطيع أن تحصل على حقوقك المشروعة، وأصبح معروفا للجميع ، إذا دفعت فإن الحق يصبح باطلا، والباطل يصبح حقا، والنظامي يصبح غير نظامي والعكس صحيح ، وحتى يأخذ كل ذي حق حقه ، لا بد من تطوير الأنظمة وآلياتها ، بشكل يجعلها قادرة على مطاردة المفسدين ومعاقبتهم، وبالتالي الحد من الفساد ، إذ لا يمكن محاربة الفساد دون أن يحصل المواطن على حقوقه كاملة ، ولا يمكن محاربة الفساد إلا إذا عرف المواطن القوانين والأنظمة الرادعة للفساد وبكل أشكاله، ولا يمكن محاربة الفساد إلا إذا كان هناك احترام للنظام واحترام لحقوق الآخرين، ولا يمكن محاربة الفساد دون وجود أساليب واضحة ومعلنة بطرق الإبلاغ عن الفساد وتوافر حماية للمبلغين من السلطة القائمة، ولا يمكن محاربة الفساد إلا عندما يكون الجميع دون استثناء تحت طائلة القانون، ولا يمكن محاربة الفساد دون قيام الإعلام بدوره في كشف خبايا الفساد وفضح المفسدين، ولا يمكن محاربة الفساد دون الفصل بين السلطات في الدولة ، وتعزيز دور القضاء واستقلاليته ، ولا يمكن محاربة الفساد حين يزاود الفاسدون في الانتماء للوطن والخوف عليه وهم في الحقيقة السوس الذي ينخر نسيجه, همهم المنافع الشخصية والتلون بما يخدم مصالحهم، والظهور بدعوى الولاء والانتماء للوطن ، والذي أصبح للأسف مطية لأمثالهم ، حتى اتسعت قاعدتهم نتيجة إقصاء الخيرين، الذين لا يقبلون بالباطل ، ولا يهادنون في قول الحق ، ويتعارضون مع مصالح المتنفعين والمتنفذين ، لأنهم يهددون مصالحهم ، إننا بحاجة إلى العمل على صدهم وتحجيمهم من خلال كشف أوراقهم ، ودحض أفكارهم, والعمل على دعم الخيرين الصادقين في انتمائهم لدينهم وأمتهم, قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً، ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ﴾ آل عمران 118.
