حاجتنا إلى ما يوحدنا


نحن في هذه الأيام في حاجة إلى وقفة تأمل ننظر فيها إلى حاضر العالم الإسلامي ،كي نبصر ما نحتاج إليه وكي نأخذ العبرة مما يوحي بالعبرة في الوقت الذي نرى فيه القوى المعادية للإسلام ، تعربد قريباً منا وبعيداً عنا وإذا كانت أمتنا الإسلامية محتاجة إلى شيء ، فإنها أحوج أمم الأرض إلى الإيمان ، الذي يملأ فراغها ، وإلى الحاكم العدل الذي يسوسها ويوحدها ، ويعمِّر خرابها ، ويعمل لمصلحتها .
وما أصيب الإسلام ، ولن يصاب ، إلا من داخل أرضه ، ومن أبناء أمته مما يجعلني أشفق على مستقبل هذه الأمة ، لأن العداوات العالمية والمحلية في كثير من الأقطار الإسلامية مخيفة ، إذ أصبحت الأمة الإسلامية ومقدراتها ، مقصد الطامعين ، وتحولت كلمة الإسلام هذه الأيام ، إلى ألفاظ مجردة ، ونطق فارغ ، ولأجل ذلك لا نرى لها تأثيراً في حياة الأمة تم نرى الناس يتوجهون إلى الله ، أن يمنحهم النصر المبين ، والاستخلاف والتمكين ، كما منحه لأجدادنا السابقين ، فنخدع بذلك أنفسنا ، لأن أجدادنا كانوا أصحاب جدٍ وحقيقة في الدين ، فقد كانت كلماتهم وأفعالهم تمثل حقيقة الإسلام ، بينما نحن متجردين عن هذه الحقائق ونظرة إلى واقعنا ، نجد أن نصيب صورة الإسلام ، في حياتنا أكثر من نصيب حقيقته ، وهذا سرُّ مصابنا وهزيمتنا وأعدائنا يعلمون ذلك علم اليقين ، أذكر في حوار تم في الجمعية اللبنانية الدولية حول وحدة العرب مع جورج غالاوي السياسي البريطاني والنائب السابق في البرلمان الإنجليزي سُؤِل عن حُلْمه فقال : ” أن يكون العرب يداً واحده ” فقيل له كيف يكون ذلك بوجود دول عظمى ؟ مثل أمريكا وإسرائيل وبريطانيا ، التي تتحكم بالعرب ، وتسعى دائما للحيلولة دون توحدهم ، فأجاب : ” إن بإمكان العرب أن يتحدوا في أي وقت يشاءون ، لكنهم لا يشاءون ، وهنا تكمن المشكلة ، ولدي رسالة أحاول إيصالها منذ أربعين عاما للجمهور العربي وهي : أن الشيء الوحيد الذي يمنعهم من التوحد ، هم أنفسهم ، ولا يمكن للولايات المتحدة ، الوقوف في وجه وحدة اللبنانيين ولا في وجه الوحدة بين سوريا ولبنان ولا في وجه الوحدة بين لبنان وسوريا والعراق ، فلا يمكنهم منع العرب من أن يتحدوا ، فالعرب هم وحدهم من يقف في وجه وحدتهم بأنفسهم ، وما داموا يجلسون في المقاهي ، مع أرجيلاتهم ملقين اللوم على الخواجا ، أو على الأتراك والبريطانيين والإسرائيليين والإيرانيين فإنهم سيبقون دوما منقسمين ، وما داموا منقسمين فسيكونون ضعفاء وما داموا ضعفاء ، فسيسرقون ثرواتهم وعليهم أن يفهموا أن الوحدة قوة ، وبإمكانهم التوقف عن التفكير كسنة أو شيعه ، أو كلبنانيين أو سوريين أو كيساريين أو يمينيين ، أو كمغاربه أو مشرقيين أو خليجيين ، إن بإمكانهم التوقف عن التفكير بهذه الطريقة ، فالعرب ثلاثماية وخمسون مليون إنسان يتكلمون لغة واحدة ، علماً بأننا في أوروبا نتكلم مئة وخمسون لغة ، بينما يتكلم العرب لغةً واحدة ويعبدون إلها واحداً ، ويقول: تخيلوا القوة التي يمكنهم التمتع بها إن اجتمعوا ، لكن ما داموا متخاذلين ، ويلقون اللوم على الآخرين ، فإنهم لن يتوحدوا أبدا ، وما داموا غير موحدين ، فإنهم سينقسمون ، وما داموا منقسمين ، فسيسرقون أشياءهم ، ولهذا السبب يقومون بهذا ، لا يأبهون إن كانوا سنة أو شيعه ، وتابع قائلاً : في البرلمان الذي أجلس فيه هناك ستمائة وخمسون عضوا ، إن سألتهم الواحد تلو الآخر ، عن الفرق بين السنة والشيعة ، فلن يستطيعوا الإجابة ، فلا يهم بالنسبة لهم ، إن كنتم سنة أو شيعه ، ولا يأبهون أن كنتم تصلوا أو تصوموا أو تحجوا ، ولا يأبهون للإسلام ولا للدين ، إنهم مهتمين فقط بتقسيمكم ومهتمون في جعلكم تتقاتلون ، وما دمتم تتقاتلون فأنكم لا تحاربونهم ، إنكم لا تحاربون إسرائيل إنكم تسمحون لهم بسرقة نفطكم وغازكم ومياهكم انتم تسمحون لهم بسرقتكم ، وبسرقة كل ما منحكم الله إياه ، ثم قال : آسف إن كنت انفعاليا تجاه هذه المسألة ، لأنها من أكثر الأمور أهمية على الإطلاق ، وفي إمكان العرب العثور عليه ، بين أيديهم ، وهو أن يكونوا شعبا واحدا ، بل يجب أن يكون هذا شعارهم ” .
نعم ، لقد فضحتنا في هذه الأيام صورة الإسلام في كل معركة وحرب ، والذنب ذنبنا ، لأننا عقدنا الآمال الكبار ، بالصورة الضعيفة للإسلام ، فخّيبت رجاءنا وكذبت أمانينا ، وخذلتنا في الميدان ويتكرر الصراع ، بين صورة الإسلام وشعوب العالم وجنودها ، وفي كل مرّة ، تنخذل وتنهزم الصورة ويعتقد الناس ، أنه هزيمة الإسلام وخذلانه ، حتى هان الإسلام عند بعض الناس ، وزالت مهابته في قلوبهم ، متناسين أن حقيقة الإسلام لم تتقدم إلى ساحة الحرب منذ زمن طويل ولم تنازله هذه الدول المعتدية وأن الذي يبرز في الميدان هو صورة الإسلام لا حقيقته ، فتنهزم الصورة أمام الواقع ونولي الأدبار .
إن على كل مسلم، أن يعلم أن وعد الله بالنصر والفتح في الدنيا ، والنجاة والغفران في الآخرة محصورٌ في حقيقة الإسلام ، وذلك في قول الله تعال : ﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ آل عمران 139 جاء الخطاب للمؤمنين ، واشترط الإيمان لعزة المسلمين والعلو في الأرض . وقد أكد ذلك في آية أخرى فقال تعال : ﴿ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ﴾ غافر 51 . وكل وعد من الله بالنصر في القرآن ، اشترط أن يكون في المسلمين حقيقة الإيمان .
إن أكبر مهمة مطلوبة للأمة هي الانتقال من صورة الإسلام إلى حقيقته ، بذلك تستطيع الأمة أن تذلل كل عقبة ، وتهزم كل قوة ، وتأتى بعجائب وآيات من الإيمان والشجاعة والإيثار ، يعجز الناس عن تعليلها ، كما عجزوا من قبل عن تعليل حوادث الفتح الإسلامي .
كما على الأمة أن تعلم ، أن النصر والخذلان من عند الله ، فعندما نقرأ قول الله تعالى : ﴿ إن ينصركم الله فلا غالب لكم ﴾ وقد نسأل ما هو المقابل ؟ والمقابل هو﴿ وإن يخذْلْكم فمنذ الذي ينصُرُكم من بعده ﴾ آل عمران 160 . إن للنصر قوانين وسنناً ، فإذا أخذنا بالأسباب التي أمرنا الله بها على قدر الاستطاعة ، فلا ينبغي أن نقارن عددنا بعدد أعدائنا ، ولا عدتنا بعدتهم ، لأن الله لا يكلفنا أن نقابل عددنا بعددهم ، أو عدتنا بعدتهم ، فقد طالبنا أن نعد ما استطعنا فقال تعالى : ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ فالله يريد أن يصحب ركب الإيمان ، معونة المؤمن به وهو الله ، أما لو كنا متساوين معهم في العدد والإعداد ، لكانت القوة تقابلها قوة ، والغلبة للأقوى ، ولكن الله يريد أن يكون العدد قليلا ، وتكون العدة أقل ، وعند اللقاء نتوجه إلى الله بما قَدْرَنا عليه ، وبالأسباب التي مكننا منها ، ونؤمن بأن الله مولانا يعيننا على أعدائنا ويمدنا بمدد من عنده قال تعالى : ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ . فعندما ننصر الله ، نضمن نصر الله لنا ، أما كيف نعرف أننا ننصر الله ؟ نعرف عندما تأتي النتيجة بنصرنا ، فمن نصر الله نصره الله ، قانون جاء بصيغة الشرط والجزاء في قوله تعالى: ﴿ إن ينصركم الله فلا غالب لكم ﴾ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *