نحن في هذه الأيام في حاجة إلى وقفة تأمل ننظر فيها إلى حاضر العالم الإسلامي ،كي نبصر ما نحتاج إليه ، وكي نأخذ العبرة مما يوحي بالعبرة ، في الوقت الذي نرى فيه القوى المعادية للإسلام ، تعربد قريباً منا وبعيداً عنا ، وإذا كانت أمتنا الإسلامية محتاجة إلى شيء ، فإنها أحوج أمم الأرض إلى الإيمان ، الذي يملأ فراغها ، وإلى الحاكم العدل الذي يسوسها ويوحدها ، ويعمِّر خرابها ، ويعمل لمصلحتها .
وما أصيب الإسلام ، ولن يصاب ، إلا من داخل أرضه ، ومن أبناء أمته مما يجعلني أشفق على مستقبل هذه الأمة ، لأن العداوات العالمية والمحلية في كثير من الأقطار الإسلامية مخيفة ، إذ أصبحت الأمة الإسلامية ومقدراتها ، مقصد الطامعين ، وتحولت كلمة الإسلام هذه الأيام ، إلى ألفاظ مجردة ، ونطق فارغ ، ولأجل ذلك لا نرى لها تأثيراً في حياة الأمة تم نرى الناس يتوجهون إلى الله ، أن يمنحهم النصر المبين ، والاستخلاف والتمكين ، كما منحه لأجدادنا السابقين ، فنخدع بذلك أنفسنا ، لأن أجدادنا كانوا أصحاب جدٍ وحقيقة في الدين ، فقد كانت كلماتهم وأفعالهم تمثل حقيقة الإسلام بينما نحن متجردين عن هذه الحقائق ونظرة إلى واقعنا ، نجد أن نصيب صورة الإسلام ، في حياتنا أكثر من نصيب حقيقته ، وهذا سرُّ مصابنا وهزيمتنا وأعدائنا يعلمون ذلك علم اليقين ، أذكر في حوار تم في الجمعية اللبنانية الدولية حول وحدة العرب مع جورج غالاوي السياسي البريطاني والنائب السابق في البرلمان الإنجليزي ، سُؤِل عن حُلْمه فقال : ” أن يكون العرب يداً واحده ” فقيل له كيف يكون ذلك بوجود دول عظمى ؟ مثل أمريكا وإسرائيل وبريطانيا ، التي تتحكم بالعرب ، وتسعى دائما للحيلولة دون توحدهم ، فأجاب : ” إن بإمكان العرب أن يتحدوا في أي وقت يشاءون ، لكنهم لا يشاءون ، وهنا تكمن المشكلة ، ولدي رسالة أحاول إيصالها منذ أربعين عاما للجمهور العربي وهي : أن الشيء الوحيد الذي يمنعهم من التوحد ، هم أنفسهم ولا يمكن للولايات المتحدة ، الوقوف في وجه وحدة اللبنانيين ، ولا في وجه الوحدة بين سوريا ولبنان ولا في وجه الوحدة بين لبنان وسوريا والعراق ، فلا يمكنهم منع العرب من أن يتحدوا ، فالعرب هم وحدهم من يقف في وجه وحدتهم بأنفسهم ، وما داموا يجلسون في المقاهي ، مع أرجيلاتهم ملقين اللوم على الخواجا ، أو على الأتراك والبريطانيين والإسرائيليين والإيرانيين فإنهم سيبقون دوما منقسمين ، وما داموا منقسمين فسيكونون ضعفاء وما داموا ضعفاء ، فسيسرقون ثرواتهم ، وعليهم أن يفهموا أن الوحدة قوة ، وبإمكانهم التوقف عن التفكير كسنة أو شيعه ، أو كلبنانيين أو سوريين أو كيساريين أو يمينيين ، أو كمغاربه أو مشرقيين أو خليجيين ، إن بإمكانهم التوقف عن التفكير بهذه الطريقة ، فالعرب ثلاثماية وخمسون مليون إنسان يتكلمون لغة واحدة ، علماً بأننا في أوروبا نتكلم مئة وخمسون لغة ، بينما يتكلم العرب لغةً واحدة ويعبدون إلها واحداً ، ويقول: تخيلوا القوة التي يمكنهم التمتع بها إن اجتمعوا ، لكن ما داموا متخاذلين ، ويلقون اللوم على الآخرين ، فإنهم لن يتوحدوا أبدا ، وما داموا غير موحدين ، فإنهم سينقسمون ، وما داموا منقسمين ، فسيسرقون أشياءهم ، ولهذا السبب يقومون بهذا ، لا يأبهون إن كانوا سنة أو شيعه ، وتابع قائلاً : في البرلمان الذي أجلس فيه ، هناك ستمائة وخمسون عضوا ، إن سألتهم الواحد تلو الآخر ، عن الفرق بين السنة والشيعة ، فلن يستطيعوا الإجابة ، فلا يهم بالنسبة لهم ، إن كنتم سنة أو شيعه ، ولا يأبهون أن كنتم تصلوا أو تصوموا أو تحجوا ، ولا يأبهون للإسلام ولا للدين ، إنهم مهتمين فقط بتقسيمكم ومهتمون في جعلكم تتقاتلون ، وما دمتم تتقاتلون فأنكم لا تحاربونهم ، إنكم لا تحاربون إسرائيل إنكم تسمحون لهم بسرقة نفطكم وغازكم ومياهكم انتم تسمحون لهم بسرقتكم ، وبسرقة كل ما منحكم الله إياه ، ثم قال : آسف إن كنت انفعاليا تجاه هذه المسألة ، لأنها من أكثر الأمور أهمية على الإطلاق ، وفي إمكان العرب العثور عليه ، بين أيديهم ، وهو أن يكونوا شعبا واحدا ، بل يجب أن يكون هذا شعارهم ” .
نعم ، لقد فضحتنا في هذه الأيام صورة الإسلام في كل معركة وحرب ، والذنب ذنبنا ، لأننا عقدنا الآمال الكبار ، بالصورة الضعيفة للإسلام ، فخّيبت رجاءنا وكذبت أمانينا ، وخذلتنا في الميدان ويتكرر الصراع ، بين صورة الإسلام وشعوب العالم وجنودها ، وفي كل مرّة ، تنخذل وتنهزم الصورة ويعتقد الناس ، أنه هزيمة الإسلام وخذلانه ، حتى هان الإسلام عند بعض الناس ، وزالت مهابته في قلوبهم ، متناسين أن حقيقة الإسلام ، لم تتقدم إلى ساحة الحرب منذ زمن طويل ولم تنازله هذه الدول المعتدية ، وأن الذي يبرز في الميدان هو صورة الإسلام لا حقيقته ، فتنهزم الصورة أمام الواقع ونولي الأدبار .
إن على كل مسلم، أن يعلم أن وعد الله بالنصر والفتح في الدنيا ، والنجاة والغفران في الآخرة محصورٌ في حقيقة الإسلام ، وذلك في قول الله تعال : ﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ آل عمران 139 جاء الخطاب للمؤمنين ، واشترط الإيمان لعزة المسلمين والعلو في الأرض . وقد أكد ذلك في آية أخرى فقال تعال : ﴿ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ﴾ غافر 51 . وكل وعد من الله بالنصر في القرآن ، اشترط أن يكون في المسلمين حقيقة الإيمان .
إن أكبر مهمة مطلوبة للأمة هي الانتقال من صورة الإسلام إلى حقيقته ، بذلك تستطيع الأمة أن تذلل كل عقبة ، وتهزم كل قوة ، وتأتى بعجائب وآيات من الإيمان والشجاعة والإيثار ، يعجز الناس عن تعليلها ، كما عجزوا من قبل عن تعليل حوادث الفتح الإسلامي .
كما على الأمة أن تعلم ، أن النصر والخذلان من عند الله ، فعندما نقرأ قول الله تعالى : ﴿ إن ينصركم الله فلا غالب لكم ﴾ وقد نسأل ما هو المقابل ؟ والمقابل هو﴿ وإن يخذْلْكم فمنذ الذي ينصُرُكم من بعده ﴾ آل عمران 160 . إن للنصر قوانين وسنناً ، فإذا أخذنا بالأسباب التي أمرنا الله بها على قدر الاستطاعة ، فلا ينبغي أن نقارن عددنا بعدد أعدائنا ، ولا عدتنا بعدتهم ، لأن الله لا يكلفنا أن نقابل عددنا بعددهم ، أو عدتنا بعدتهم ، فقد طالبنا أن نعد ما استطعنا فقال تعالى : ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ فالله يريد أن يصحب ركب الإيمان ، معونة المؤمن به ، وهو الله ، أما لو كنا متساوين معهم في العدد والإعداد ، لكانت القوة تقابلها قوة ، والغلبة للأقوى ، ولكن الله يريد أن يكون العدد قليلا ، وتكون العدة أقل ، وعند اللقاء نتوجه إلى الله بما قَدْرَنا عليه ، وبالأسباب التي مكننا منها ، ونؤمن بأن الله مولانا يعيننا على أعدائنا ويمدنا بمدد من عنده قال تعالى : ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ . فعندما ننصر الله ، نضمن نصر الله لنا ، أما كيف نعرف أننا ننصر الله ؟ نعرف عندما تأتي النتيجة بنصرنا ، فمن نصر الله نصره الله ، قانون جاء بصيغة الشرط والجزاء في قوله تعالى: ﴿ إن ينصركم الله فلا غالب لكم ﴾ .
