إذا ما تأملت حال أكثر الناس ، وجدتهم ينظرون في حقهم على الله ، ولا ينظرون في حق الله عليهم ، ومن هنا انقطعوا عن الله ، فلا تكن يا أخي ممن يرجو الآخرة بغير عمل ، ويؤخر التوبة لطول الأمل ، ويقول في الدنيا بقول الزاهدين ، ويعمل فيها بعمل الراغبين ، إن أُعطي من الدنيا لم يشبع ، وإن مُنِع منها لم يقنع ، ينهى الناس وينسى نفسه ، يحب الصالحين ولا يعمل أعمالهم ويبغض المسيئين وهو منهم يكره الموت لكثرة ذنوبه ، إن سقم ظل نادما ، وإن صح أمن لاهيا ، يعجب من نفسه إذا عوفي ، ويقنط إذا ابتلي ، تغلبه نفسه على ما يظن ، ولا يغلبها على ما يستيقن ، ولا يقنع من الرزق بما قُسم له ولا يعمل من العمل بما فرض عليه ، إن استغنى بطر ، وإن افتقر قنِط وحزن يطلب الزيادة ولا يشكر ، ويتكلف من الناس ما لا يُؤمر ، ويُضِّع من عمره ما هو أكثر ويبالغ إذا سأل ، ويُقصِّر إذا عمل ، يخشى الموت ولا يبادر إلى التوبة ، ألهته دنياه وغفل عن ذكر خالقه ومولاه ، هذا هو حال أكثر الناس ، نسوا أنفسهم وضيَّعوها وباعوها بثمن بخس ، اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين . وهذا ما يدعو للعجب ، ممن يسعى لهوان نفسه ، ويزعم أنه لها مكرم ، وكفى به جهلاً أن يكون مع عدوه لنفسه يبلغ منها بفعله ما لا يبلغه منها عدوه مصداقاً لفول القائل :
ما يبلغ الأعداء من جاهلٍ ما يبلغ الجاهل من نفسه
وإذا أراد الله بعبدٍ خيراً زهد في الدنيا الفانية ، ورغب في الآخرة الباقية والعاقل هو الذي يعمل مجداً لآخرته ولا ينسيه نصيبه من الدنيا حظه منها عاملاً بقوله تعالى : ﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا ﴾ .
حال أكثر الناس
