إن بعض الذين لم يجاوز الإيمان حناجرهم يتوهم أن حدود الحرية والمسئولية إنما تنحصر في تدبير شؤون نفسه وشؤون أسرته وما يقتضيه هذا التدبير، من توفير المأكل والملبس والمسكن والدواء والتعليم والمتع قدر المستطاع وما عليه بعد ذلك أن يشقى جاره أو يُحْتل وطنه ، أو تُسْتَذل أمته ، هذا فهم خاطئ لحدود المسؤولية ، فمن بات شبعان وجاره جائع مسؤول ، ومن استيقظ آمناً وأخوه خائف مسؤول ومن انطوى على نفسه يعبد ربه ودين الله تُنْتهك محارمه مسؤول ، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته .
لقد ابتليت الأمة بمن رَضوا بالدون من الحياة فأخلدوا إلى الأرض ، وقعدوا عن الجهاد ، وآثروا الراحة والدَعة فصدق فيهم قول الله : { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال ‘ذا فريقٌ منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجلٍ قريب } ، إن مفهوم المسؤولية ظاهرٌ واضح ، فهو يتمثل في القيام بحق الله والسعي لخير العباد ، فما هي المسؤولية التي يجب أن تتحملها الأمة لمواجهة من اغتصب الأرض ونهب الأموال ، وقتل النساء والأطفال ، وما هي المسؤولية تجاه من تنكر للمقدسات فاستباح حرمتها وانتهك قداستها ، أهي مسالمته والرضى بالأمر الواقع { إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } .
إن المنحرفين في سلوكهم لا ولن يتوقفوا عن توظيف الشريعة واستخدامها لتسويغ تصرفاتهم وإيجاد المشروعيات لأعمالهم وقراراتهم أمام الأمة ، بتقديم الفتاوى التي أصبحت جاهزة وتحت الطلب ، لكن الحقيقة التي لا بد من إيصالها أن مثل هذه الفتاوى هي ساقطة ولا تقنع أصحابها .
كثيرٌ من الناس حسِبَ الحرية في اللَّهَث وراء الدنيا بزينتِها وزُخرُفها ، بل ذهبَ بعضُهم إلى أبعدَ من ذلكم؛ ليصيرَ مفهوم الحرية عنده: إن لم تكن ذِئبًا أكلَتْك الذئاب، وإن لم تَجهَل يُجهَل عليك، فالحريةَ عندهم: أن تقول ما تشاء، وتفعل ما تشاء، وتكتبَ ما تشاء، وتتكلَّم فيمن تشاء، دون زمامٍ ولا خِطام، حتى ولو كان في أمور الدين والعقيدة وحقِّ الله وحقِّ رسوله – صلى الله عليه وسلم -.
ولكن الحريةَ الحقَّة دينٌ يتبَعُهُ عملٌ ويصحَبُه حملُ النفس على المكارِه، وتحمُّلِ المشاقِّ، وتوطينُها لمُلاقاة البلاء بالصبر، وحفظ الحُدود، والتسليم للشريعة والتمسُّك بها؛ فالحرُّ من آثَر الباقي على الفاني، والحريةُ رضًا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ – صلى الله عليه وسلم – رسولاً، وقناعةٌ بالمقسوم، وثقةٌ بالخالق، واستمدادُ العَون منه، ومن ذاقَ طعمَ الإيمان ذاقَ طعمَ الحرية.
وليست الحُرية في الركض خلف الشهوات والانغِماس في الملذات، فيصير الإنسان عبدًا لها ومقيدًا بها، لا يرجع منها سالمًا، بل يعودُ محطمًا، حائر الفكْر مُنكسر الفؤاد، إنَّ الحرية الحقيقية هي الخضوع لله – عز وجل – واتِّباع أوامره واجتناب نواهيه؛ فالإسلام هو مصدر الحرية ومنبعها، حرية لا استعباد فيها، وكرامة لا ذل معها، فالعبودية لله وحده تحرِّر الإنسان من كل عبودية نسبية لغيره كائنًا من كان.
ومنهج الله جاء ليقول لنا افعل كذا ولا تفعل كذا ، ولذلك يظن الكثير من ان ذلك تقييد لحركة حياة المؤمن ظن هؤلاء أن الله تعالى حين يقول لا تفعل قد ضيّق عليهم فيما يريدون فعله ، وحين يقول افعل معناه يكون قد ضيق عليهم في شيءٍ لا يريدون فعله ، فمثلاً حين يطلب منا الزكاة التي في ظاهرها نقص المال ، وإن كانت في حقيقتها بركةٌ ونماء كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم وأحمد والترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه ) فالله إذا قيد حركة الإنسان في الحياة ، فلا يظن أن هذا تضييق عليه ، بل هذا لفائدته لأن الله لم يأمره وحده ، ولكن الأمر للناس جميعا ، فحين يقول الله لاتسرق ، فقد قالها للناس جميعا ، ولذلك يكون الإنسان هو الرابح ، لأنه ما قيد الإنسان وهو فرد من أن يسرق من غيره ، بل قيد ملايين الناس من أن يسرقوا منه ، إذن الله لم يضيّق على الإنسان لكنه حمى ماله من كل الناس ، قيده وهو فرد من أن يسرق من مال غيره ، وقيد الملايين أن يسرقوا من ماله .
حدود المسؤولية والحرية
