يتعرض شباب المسلمين ذكوراً وإناثا إلى حرب ، ليست ميدانية، بل هي حرب من أشد الحروب الفكرية والعقائدية؛ بهدف إخراج الشاب المسلم عن قيمه ومبادئه وأخلاقه ، تحت اسم التطور والموضة؛ مما جعل الشباب يهتمون بالمظهر لا بالمخبر، وبالموضات لا بالحياء والإيمانيات؛ مما ينذر بخطر كبير على الإيمان والأخلاق والعقيدة والعفة والحياء والفضيلة ، فقد ظهرت موضات غريبة ، وبدأت تزيد وتنتشر بشكل عجيب مثل قصات الشعر العجيبة ، كمن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه ، أو يحلق بعض رأسه من أسفل ويجعل الباقي على شكل دائرة ، إضافة إلى القزع والخنافس، وحدث ولا حرج عن القصات الأكثر غرابة التي يشملها النهي والحرمة، وقد جاءت الأحاديث النبوية محذرة ومبينة حرمة ذلك، فقد أخرج الشيخان عن نافع عن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله عن القزع، فقيل لنافع رضي الله عنه: وما القزع؟ قال: يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضه. وفي سنن أبي داود أن الحجاج بن حسان قال: دخلنا على أنس بن مالك رضي الله عنه فحدثني أختي المغيرة فقالت: وأنت يومئذ غلام ولك قرنان أو قصتان، فمسح رأسك وبرك عليك وقال: احلقوا هذين أو قصوهما فإن هذا زي اليهود.
فما يُشَاهدُ من فعل الشباب لهو من القزع الذي نُهي المسلم عن فعله، وقد أجمع كثير من أهل العلم على حرمته لقوله صلى الله عليه وسلم : (احلقوه كله أو اتركوه كله). وذكر الإمام ابن حجر رحمه الله في كتابه فتح الباري أن أبا داود روى أن رسول الله قال: (القزع من زي اليهود) ، وجاء في شرح الإقناع : يدخل في القزع حلق مواضع من جوانب الرأس ، أو أن يحلق وسطه ويترك جوانبه كما تفعله عامة النصارى ، أو حلق جوانبه وترك وسطه ، كما يفعله كثير من السفهاء أو أن يحلق مقدمه ويترك مؤخره ، وسئل أحمد عن حلق القفا فقال : ( هو من فعل المجوس ومن تشبه بقوم فهو منهم ) ، وبهذا يعلم أنه لا يجوز ترك بعض شعر الرأس أطول من بعض .
وجاء النهي عن ذلك لما فيه من التشبه بالشيطان، وقيل: هو زي أهل الشر والدعارة ، وما دام الأمر كذلك فإن الواجب على شبابنا أن يتخلق بأخلاق أهل الإسلام، وأن لا يقلدوا الأجانب بمظاهرهم وقصاتهم التي لا تتفق مع تعاليم الإسلام ، ومن الظواهر كذلك التي انتشرت وظهرت عند بعض الشباب وتأثروا بها ، لبس أنواع من الملابس الغربية التي لم يعهدها المسلمون من قبل ، وقد جاء النهيٌ عن تقليدهم ، وذم من اتبعهم وسلك مسلكهم ، وأكد الشرع هذا النهي وذلك بوصف من يتشبه بالكفار بأنه منهم . عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من تشبّه بقوم فهو منهم ) رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” وجاء النهي عن أي شيء يجعل الشعوب الإسلامية تسرع إلى تقليد أحدث الأزياء وابدع الرقصات ، وتجيد قواعد الاتيكيت والاجتماعات العامة ، وتنشء الأبنية والمتنزهات ، على نسق يشبه النسق الغربي أو يدانيه ، وتفشل في نقل روح الإبداع الصناعي والنشاط التجاري ، وعجائب الفن الحربي والدهاء السياسي والنظام الاقتصادي ، ورفض ما ساق الله الينا من خير ، وما احتكمنا إلى ديننا فيما ينبغي أن نأخذ أو ندع ، وأساس ظاهرة التشبه التي تأججت نارها ولم تهدأ بعد ، تعود في الأساس إلى قلة الوعي الفكري والديني الذي سرى في عامة الأمة ، ونمط هذه الظاهرة تقليد المغلوب للغالب ، وهو كما وصفه المؤرخ ابن خلدون بأن المغلوب مولع بتقليد الغالب ، فنرى أن الكثير من الناس وبخاصة فئة الشباب في هذا الزمان قد استحوذت أنماط الحياة الغربية عليها ، وما فتئت تحاكيها وتتأثر بها في المأكل والمشرب والملبس والمظهر والعادات ، ناهيك عن التطبيقات الحياتية والسياسية والاجتماعية الأخرى ، وهذا تصديق للحديث الشريف: ﴿ لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ﴾ . والمقلِّد للكفار يشعر بعقدة النقص ، ويتحلى بالانهزامية والتردي ، لذا يسارع إلى سد نقصه بتقليد من يعظمه ، ولو وقف هؤلاء على عظمة تشريعات الإسلام ، وعرفوا فساد تلك الحضارة التي يركضون خلفها لعلموا أنهم على خطأ ، وأنهم تركوا ما هو كمال وحق إلى ما هو نقص وفساد . حتى كاد تقليد أبنائنا للغرب أن يصبح ظاهرة مرضية، فاتبعوا الغرب في ملابسهم، وقصات شعورهم، وحركاتهم وطريقة تصرفاتهم في الأكل والشرب والمشي، فاتجهوا إلى الوجبات السريعة، ومشروبات الطاقة ولم يعد يعجبهم طعام البيت، أو أفكار الأهل، واتخذوا من الموسيقى الغربية والرقص الغربي ملاذاً لهم وهروباً من الواقع، فنجد الشاب يمشي دون هوادة، والسماعات في أذنيه .
إن ما نراه من المحاكاة للغرب في اللباس والمجون ، لهو من الغزو الفكري والأخلاقي ، الذي لا يمت إلى أخلاق المسلمين ، ولقد قلد كثير من نساء المسلمين نساء الغرب في اللباس، فكان دليلهن مجلات الأزياء التي صممت في تلك البلاد الكافرة، حتى رأينا أنماطا كثيرة من ثياب النساء المليئة بالمخالفات الشرعية ، حتى نسيت المرأة جوهرها وقيمتها ولم تتذكر سوى شكلها . إذ لا يجوز لها أن تلبس الملابس الضيقة التي تحدِّد العورة ، أو الملابس الشفافة الرقيقة التي تشف عن العورة ولا تسترها ، أو الملابس القصيرة التي لا تغطي الصدر أو الذراعين أو الرقبة أو الرأس أو الوجه والله أعلم .
حرب التطور والموضة
