حرمة الدماء في الإسلام

نهى الله عن قتل النفس بغير الحق وأثنى على الذين يجتنبون هذه الجريمة ، وتوعّد من يفعلها باللعنة والغضب والعذاب العظيم والخلود في نار جهنم فقال تعالى : ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ َذَاباًعَظِيماً﴾النساء93 . إن من الأسس التي قام عليها التشريع الإسلامي حفظ الدماء من أن تهدر وتسفك ، ولما تجاهل المسلمون هذه الأسس في بلادهم سُفِكَت فيها الدماءُ المُحرَّمة ودُمِّرَت المُمتلَكَات وانتُهِكَت الأعراضُ، وانتشَرَ فيها الخوفُ والجوعُ، وشُرِّدَ سُكَّانُها. لقد اعتبر الإسلام حُرمة دم المسلم أشدَّ من حُرمة الكعبة وكان زوالُ الدين أهون عند الله من قتل رجلٍ مسلمٍ؛ لأن دم المسلم هو أغلى الدماء التي يجب أنْ تُصانَ ، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى حرمة المسلم ومكانته عند الله تعالى فقد صحّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا ) وفي رواية أخرى:( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلمٍ ) أخرجه الترمذي ، ورغم ذلك وجد من استهانوا بقيمة الإنسان وحُرمتِه فاسترخَصوا الدماء، واستسهَلوا الاعتداء واحتقَروا الإنسان؛ إما لطمعٍ دنيوي، أو تأوُّلٍ ديني، أو دافعٍ عنصري وقبَلي، أو حِراكٍ سياسي، وقد جاءت النصوص تحفظُ للإنسان دمَه، وتحرِّمُ رُوحه وحقَّه في الحياة ، حتى أن أهل العلم اختلفوا هل للقاتل توبة أو لا ؟ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كل دمٍ عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموتُ كافرًا أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمِّدًا ) أخرجه أبو داود والنسائي، وعن ابن عباس أنه سأله سائل فقال : يا أبا العباس ، هل للقاتل من توبة ؟ فقال ابن عباس كالمتعجب من شأنه : ماذا تقول ؟ فأعاد عليه المسألة ، فقال له : ماذا تقول ؟ مرتين أو ثلاثا ، ثم قال ابن عباس : أنى له التوبة ؟ سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول:( يأتي المقتول متعلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله بيده الأخرى يشخب أوداجه دما حتى يأتي به العرش ،فيقول المقتول لله : رب هذا قتلني فيقول الله عز وجل للقاتل : تعست ، ويذهب به إلى النار ) مسند أحمد بن حنبل ، وفي التنزيل العزيز: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴾ الفرقان 68، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من خرج على أمتي يضرِبُ بَرَّها وفاجِرَها، ولا يتحاشَى من مؤمنها ولا يفي لذي عهدٍ عهدَه فليس مني ولستُ منه ) أخرجه مسلم.
وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاقتتال الداخلي الذي يهدد دين الأمة، ونبّه القرآن إلى خطورة غفلة الأمة عن كيد أعدائها حين يسعون لجرّهم إلى الاقتتال الداخلي ، وكما حرَّم الإسلام قتل المسلم فقد حرَّم الخوض في أعراض المؤمنين وتوعد الله تعالى من يحب إشاعة الفاحشة في المؤمنين بالعذاب الأليم، قال تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ النور: 19 . وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ ذَكَرَ امْرَءًا بِشَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ لِيَعِيبَهُ بِهِ حَبَسَهُ اللَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَأْتِيَ بِنَفَاذِ مَا قَالَ فِيهِ) . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ . ولهذا أمر الإسلام بالمحافظة على العرض وصيانته والدفاع عنه؛ وحرم الله السخرية بالمسلم، وأن يعيب المسلم أخاه ، بالهمز أو اللمز فقال تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ﴾ . لقد شدد الإسلام على حماية الأعراض ، حتى يكون المجتمع نظيفاً يسوده الطهر والمحبة والوئام ، بعد أن انتشرت عادة قِيل وقال ، دون استنادٍ إلى برهانٍ قاطعٍ أو دليلٍ ساطع وذلك بابُ من أبواب الفتنة لأن تناقُل أحاديث لا زِمام لها تُوغِر الصدور، وتُغيِّر العقول وتُفسِد الأُخُوَّة بين المسلمين وتجُرُّ من الويلات ما لا يُحصَى ومن الشرور ما لا يُستقصَى فلا يليق بالمسلم تداوُل أقاويل تُشاع، وأحاديث تذاع، سندُها الظنُّ والتخمين والرجمُ بالغيب من غير تثبيتٍ ولا تبيين، ولذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن تلك المبادئ القبيحة والمسالك المُعوجَّة؛ ففي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال ): إن الله كرِه لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال) ، وإن من أعظم الظلم التجنِّي على المسلم أو التعرُّض له وفق عواطف عمياء وتبعيَّةٍ بلهاء، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(الربا اثنان وسبعون بابًا أدناها مثل إتيان الرجلِ أمَّه، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عِرْض أخيه) فكان على من يخاف الله البُعد عن الخوض مع الخائضين ، بقيل وقال، وألاَّ يُشغل نفسه بما يخدِش دينه ويُعرِّضه لغضب ربه؛ ففي الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقُل خيرًا أو ليصمُت ( لأن من الإثم المبين التسارعُ في نشر أخبارٍ لا يعضُدُها دليل، وإشاعةُ أحاديث لا يسنُدُها برهان ، لقوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ الحجرات 6،كما حثَّ الله العباد ، ألا يخوضوا مع الخائضين؛ بل التحلِّي بقول الله سبحانه :﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴾النور 12.
ومن هنا فهم في حذرٍ من الولوج في نشر الإشاعات العارية عن الصحة، وفي بُعدٍ عن بثِّ الأخبار الخالية عن الحقيقة؛ لأنهم يسمعون قول الله سبحانه:﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾النور 19.
فعلى المسلم البُعد عن اللغو بأنواعه والفُحش بشتى صوره ومن ذلك التسارع في شتم أعراض المسلمين قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ المؤمنون3 ، ويقول: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ القصص 55. فإذا سمعتَ من يُشنِّع على مسلم فلا تُصدِّقه بل تثبَّت، ولا تكن عونًا في نشر الشائعات المُغرِضة والأخبار الواهية؛ قال صلى الله عليه وسلم : (كفى بالمرء إثمًا أن يُحدِّث بكل ما سمِع ) رواه مسلم.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *