نتابع بألمٍ وحرقة ما يجري في غزة في الوقت الذي وصل المسلمون إلى حال لا يحسدون عليه , ولا يسر قريباً ولا بعيدا ً يستجدون من الأمم الأخرى الأمن والأمان , ويتحسرون حيث لا ينفع التحسر ويستغيثون ولا يغاثون
يستغيث بنا المستغيثون وهم قتلى وأسرى فما يهتز إنسان
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم وأنتم يـا عباد الله إخـوان
ألا نـفوس أبيـات لها همم أما على الحق أنصار وأعوان
لقد ابتليت غزة بهذا الواقع الأليم ، فلهم الأجر العظيم عند الله قال تعالى:﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ 216البقرة .
وإذا أراد الله تعالى بعبد خيرا ابتلاه , وإخواننا في غزة من أهل البلاء , وكما قال عليه الصلاة والسلام: ( إذا أحب الله عبدا ابتلاه ) وهم مرابطون ومجاهدون من أكبرهم إلى أصغرهم فنسأل الله أن يفرج عنهم :
يا أهل غزة لا عذرٌ فنعتذرُ ومالنا عن سهام العار مستَتَرُ
رماكم العالَم الملعون عن وَتَر وأطبق الكون لا حسُّ ولا خبرُ
يا أرضَ غزّةَ ، لا رُكونَ ، ولا نُواحْ ، فالشَّمسُ تُشرِقُ ، من رياحينِ الجِراحْ ، والمجْدُ ينطِقُ لا يُبالي بالنُّباحْ ، والنَّصْرُ يهْزَأُ بالدَّجاجِ وإنْ تستَّرَ بالصِّياحْ ، سرْ أيّها الفجْرُ المُضمَّخُ في البطاحْ ، لن يكتُبَ التّاريخَ إلاّ قهْقهاتُكَ يا سِلاحْ ، يا أمّةَ الإسلامِ ، كيفَ النّومُ والأوصالُ تأكلُها الرّماحْ ؟ يا أمة الإسلامِ ، حيّ على جهادِ الكُفْر ، حيّ على الفلاحْ ، إن هول الصدمة وحجم الجريمة وضخامتها وسرعتها أكبر بكثير من أن توصف لأن ما جرى ويجري في غزة يفوق الوصف ، وما تناولته وسائل الإعلام المختلفة هو أقل بكثير مما حصل ، فما يحدث في غزة بحق ، يمثل اليوم أسطورة بكل المقاييس ، وضربا من ضروب الخيال ، لا يمكن للمنطق المادي أن يتحمله وهو يشبه إلى حد كبير الملاحم البطولية التي تروى كنا نسمع بطائر العنقاء الأسطوري الذي أراده الروما رمزا لروما ، حتى لا يقهرها الموت كما تقول الأسطورة . ولم نكن نصدق في يوم من الأيام ، أن هذا الطائر الخرافي يمكن أن يكزن رمزاً لمدينة غزة ، ليضرب أهلها أسطورة في الصمود ، أمام جيش إسرائيل الذي زعم أنه لا يقهر ، والذي يهدد اليوم بمحرقة جديدة.. هذا الجيش الذي لم تهزمه دول العرب بجيوشها ، باتت هزيمته فيما يبدو على يد عنقاء غزة.. بعد أن مرغ صقور حزب الله أنفه في الوحل .
غزة في محنة يا للعار ، غزة تحت الدمار يا للعار ، غزة تحت الحصار ، يا للعار غزة يا أهل الدار، يا عرب يا أحرار ، تستغيث ولا من يجار غزة ، تستنجد من يلبي النداء ، من يوقف نزيف الدماء ، من يتصدى للأعداء صمت رهيب في المواقف في القرارات في المساندة في الاحتجاج ، مروحيات وقذائف تصطاد الأرواح البريئة تدمر كل شيء ، ذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن حماس تمتلك جيشا أشبه بالجيوش المنظمة لا يقل تعداده عن 15 ألف مقاتل ، كما أعلنت صحف إسرائيل بأن الجيش الإسرائيلي مندهش من القدرة القتالية العالية ، وتقول : ” إن مقاتلي كتائب القسام هم عبارة عن مقاتلين بارعين ، ويمتلكون تكتيكات مدروسة تمكنت من خلال ذلك إلى إرباك قواتنا المدربة التي كانت في أرض المعركة شمال غزة وقد أربكت جيشنا في أكثر من موقع” هذا الإرباك بدا واضحا ، من خلال استهداف الأطفال فثلث الشهداء أطفال بينهم رضع ، وشيوخ ونساء وعجائز فسلاح الجو الإسرائيلي الجبان ، جن جنونه وفقد عقله ، وهو يعرف جيدا أن العنقاء لا تختبئ في البيوت بين ألعاب الأطفال ولا في أحضان النساء، إنما هي هناك تقاتل فوق التلال والأحراش تصنع ملحمة الصمود لغزة ، فالعنقاء وكما تقول الأسطورة عندما تقترب ساعة موتها تعمد إلى إقامة عشها من أغصان أشجار التوابل ، ومن ثم يضرم في العش النار ، الذي يحترق في لهيبها.. وبعد مرور ثلاثة أيام ، ينهض من بين الرماد طائر عنقاء جديد.. فاغرس أنيابك يا جيش العدو كما شئت فأفراخ العنقاء ينهضون ، وعلى طريق الآباء يسيرون .
إن ما يحدث اليوم في غزة هو محاولة أخرى من إسرائيل لتفكيك لحمة الشعب الفلسطيني وتحويله إلى مجموعات بلا هوية ، إنه لا جدال في أنها حرب من اتجاه واحد ، قوة إقليمية عظمى ، ركّعت فيما مضى أمامها أنظمة وجيوش نظامية ولكنها تقف اليوم عاجزة كليا ، أمام حركة المقاومة من تحقيق ما كانت تحققه ، وبصمودهم فضحوا إسرائيل والمتواطئين معها، واظهروا للعالم مدى نازية هذه الدولة ، كما آن للإسرائيليين أن يفهموا ، أنه كلما زادت همجيتهم وشراستهم كلما زادت المقاومة الفلسطينية قوة وتصلباً. وكلما زادت ممارساتهم اللا إنسانية، كلما زاد الفلسطينيون تشبثاً بأرضهم ووطنهم وحقوقهم ، لأنهم يؤمنوا أن هذا العدوان سوف ينتهي في يوم ما ، بعد أيام أو حتى أسابيع ، ولكن المتغيرات التي أحدثها في المنطقة ، وربما العالم سيستمر لعقود . وما يجري في غزة اليوم يمكن أن يكون آخر الاختبارات الإسرائيلية لكنها اختبارات نسأل الله ألا تؤدي في نتائجها وتداعياتها وآثارها على الجملة ، إلا إلى انفلات المعادلات من أحكامها وإلى انعطاف المنطقة بأكملها نحو طور جديد من الاحتدام المفتوح ، لكن الشيء الملفت للنظر في هذا الاحتدام الجاري فوق ارض غزة ، أن الهولوكوست الإسرائيلي يبدأ هذه المرة من الشعور بالوهن والنكوص، رغم فظاعته الكبرى أكثر من مما ينطلق من الغلبة والتفوق .
وإن عزاءنا حيال ما يجري قوله سبحانه وتعالى:﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ وأنّ هذا الدين العظيم منصور لا محالة وأنّ راية لا إله إلا الله محمد رسول الله سوف تعم مشارق الأرض ومغاربها ، وأن الإسلام سوف ينتصر بنا أو بدوننا فالله عزّ وجلّ يقول في محكم تنزيله : ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ﴾ القصص 5 . فالله عزّ وجلّ سوف يجعل من عباده المستضعفين أئمة خير وسوف يجعلهم وارثين للأرض ، ويقول الله عزّ وجلّ في آية أخرى : ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ الأنبياء 105 . فالله عزّ وجل يقضي بحكمه وبعلمه وبقدرته أنّ عباد الله الصالحين هم من سوف يرث هذه الأرض
أبعد كل هذه الآيات شك بأنَّ الغلبة سوف تكون لا محالة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها !! وهل يشك أحد أنّ النصر لا محالة للمسلمين مهما طال الزمن !! فالإسلام سوف ينتصر لا محالة بإذن الله , وهذه الحقيقة يجب أن نؤمن بها حق اليقين ونعمل جاهدين على أن نكون ممن ينصر الإسلام قال تعالى : ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ﴾ .
ونحن نتابع ما يجري في فلسطين الغالية، وبالتحديد في قطاع غزة، علينا أن نسأل أنفسنا، كيف يتحمل هذا الشعب الصامد كل هذا البلاء؟ شعب فلسطين يتعايش الآن مع فصل جديد من معاناته. وعلينا أن نتخيل وقلوبنا تدمي لما يحدث، أحوال الأمهات الفلسطينيات وأطفالهن الذين يفزعهم المشهد الدامي فوق الأرض المغتصبة. لم يعد الأمر قاصرا على احتلال يرتكب كل أشكال جرائم الحرب، ولا على حصار مفروض على شعب الأرض المغتصبة الذي يكاد أبناؤه يتضورون جوعا بسببه، وإنما الأبشع هو تخاذل أبناء المصير الواحد.
ويتسم هذا الهجوم بالوحشية والرغبة في الثأر من هذه المدينة الفلسطينية التي سمحت لنفسها أن تتحدى الغول الصهيوني الذي يهدد بالتهام المنطقة، حماية لإسرائيل في نهاية المطاف.
ذنوب غزة في نظر أعدائها كثيرة، فقد رفعت راية الإسلام، في وسط يحمل رايات أخرى. وهي التي احتضنت الوجود الفلسطيني منذ الزمن الأول.
محاولة حصار غزة والقضاء على الوجود الإسلامي فيها لا يمكن أن نفصله عن القضاء على الوجود الفلسطيني ومطاردته، أو على الأقل تدجينه وتطويعه، فلقد كان هذا دعما لذلك. وتدمير غزة في نهاية المطاف لا ينفصل عن المخطط المرسوم للمنطقة لتتحول الى مدن هزيلة تؤمّن الحماية لإسرائيل. إنه إذن استمرار للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين منذ عام 1948م. وذو صلة بالسيطرة الصهيونية. وإذا لم يكن هذا صحيحا فما معنى أن تقول إسرائيل، اليوم، أن حصار غزة لن يتوقف ما دام الإرهاب موجوداً فيها وسنستمر في تقويضه وتأصيله ؟ وكما يعلم الجميع فالحصار حوّل غزة الفلسطينية الى كثل من اللهب ومع ذلك تريد إسرائيل من هذا الشعب ألا يتحدها أو يقاومها وإلا اتهمته بالإرهاب ! هل يمكننا أن نقول أن مقاومة الاحتلال تعتبر إرهابا؟ ومن هو الإرهابي في الأصل هل الاحتلال أو الشعب المحتل ؟ ثم هل نستطيع فصل هذه المجزرة عن مؤامرة إنهاء الوجود الإسلامي في المنطقة ؟ ونفتش في الصحف العربية عن تعليق لما يجري في غزة، فلا نعثر على شيء. الإعلام العربي يسرد أخبار غزة وكأنها في أقاصي الدنيا، غزة رميت عن قوس واحدة، لم تنفعها كل العهود والمواثيق التي وقعت ذات يوم ! فقد كان ذلك أمراً مؤقتاً، وغزة تعلم ذلك، فالظروف كانت تقضي بتأجيل المجزرة، حتى تحين الفرصة. ومع ذلك فالصمت العربي والإسلامي فضيحة صارخة. والخطر لن يقتصر على غزة، فكما أن المؤامرة لم تبدأ بها فهي لن تتوقف عندها.
ليس مستغربا أن تتذرع إسرائيل بحماس وصواريخها لتجويع أهل غزة وقتلهم، ولكن المستغرب أن يطير أخوة الدين واللغة والعرق بهذه الأكاذيب والحجج الواهية، ويصدقون أنها سبب التعسف الإسرائيلي، بل ويتخذون منها ذريعة للهجوم على الشرفاء المجاهدين، الذين يقدمون أرواحهم وأرواح أبنائهم رخيصة من أجل تحرير الأرض.
إننا وعلى مر التاريخ، لم نسمع بشعب أضرت به مقاومته لاحتلال تعرض له، ولا أظن أن أي قارئ لهذه الأسطر، إلا ويحضره على الأقل مثالا واحدا لذلك، إلا أن المفاهيم قد تغيرت كثيرا هذه الأيام، فالاستسلام للمحتل أصبح حكمة تخدم مصالح الشعب العليا، ومقاومته أصبحت تهورا وإضرارا بها.
إن مقاومة الاحتلال التي ينتقدها بعض المسؤولين والكتَاب السياسيين، ممن يسمون أنفسهم بالعقلانيين أو المتعقلين، ويحملونها سبب تدهور الأوضاع في قطاع غزة، هي حق مشروع أقره حتى الغرب والأمم المتحدة.
إن مناهجهم الدينية والاجتماعية تمتلىء بتعصب ديني عجيب، إذ تعج تلك الكتب بقصص خيالية عن أنبياء اليهود الذين كانوا يرسلون بني إسرائيل بأمر من الله لإبادة الأغيار عن بكرة أبيهم، وإبادة حيواناتهم، وحرق أراضيهم ومدنهم. وكمثال بسيط على هذه القصص، فقد أمر النبي صموئيل الملك شاؤول بذبح أعداء إسرائيل بناء على أوامر رب إسرائيل. وهكذا ينشأ الطالب ولديه إيمان عميق بأن قتل هؤلاء الأغيار هو سبيله لإرضاء رب إسرائيل.
أما في مجال الفتاوى الدينية المتطرفة، فحدث ولا حرج، فقد أصدر كبير حاخامات إسرائيل السابق فتوى تجيز قتل الفلسطينيين كواجب ديني .
حـرب غزة
