حقوق الطفل في الإسلام

لقد اهتم التشريع الإسلامي بأمر الطفل ، وأحاطه بالرعاية باعتباره رجل المستقبل وذخيرة الغد ، وأن النجاح في تربيتة على القيم والمثل العليا والأخلاق الفاضلة ، يؤدي إلى تكوين أجيال قوية قادرة على العمل والبناء ، وحقوق الطفل في الشريعة الإسلامية كثرة ، خصت الأم والأب ببعضها، وحددت واجباتهم تجاه أطفال بتنشئتهم على أخلاق الإسلام ، وأوجبت عليهم نهجاً وسطاً في التربية يمنع القسوة والعنف ، ويبتعد عن التدليل الزائد وخصت الدولة بالبعض الآخر ، بل إن الدولة مسئولة دينياً عن إعالة من لا عائل له ، وقد حرصت الشريعة على نشأة الطفولة في بيئة صالحة ، لذا حرصت على تكوين الأسرة وأوصت باختيار الزوجة الصالحة ذات الدين قال صلى الله عليه وسلم : ( تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسنها وجمالها ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك ) مسلم ودعا إلى ضرورة تفضيل الرجل الصالح فقال صلى الله عليه وسلم : ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفساد ) الترمذي . وعندما سئل عمر بن الخطاب : ” ما حق الولد على أبيه ؟ قال : أن ينتقي أمه ، ويحسن اسمه ، ويعلمه القرآن ” . وقد قرر الإسلام حق الحياة لكل طفل قال تعالى : { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم } الأنعام 151 . ووجهت الشريعة الوالدات أن يرضعن أولادهن ، وجعله واجباً دينياً قال تعالى :{ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } البقرة 233 . وأوجبت لهم النفقة ، بل عدها النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل النفقات فقال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله .. الحديث ) مسلم . وقد روي في الحديث أن رجلاًً من الأنصار توفي وخلف أطفالاً صغاراً ، وكان قد صرف ما يملكه من أموال قبيل موته بقصد العبادة وجلب رضا الله ، مما أدى بأطفاله أن يمدوا يد العوز والحاجة يوم وفاته ، وعندما عرف النبي ذلك قال لقومه : ( ما صنعتم به ! قالوا : دفناه ، فقال : أما أني لو علمته ما تركتكم تدفنونه مع أهل الإسلام ، ترك ولده يتكففون الناس ) وأخرج أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كفى بالمرء إثماً أن يُضِّع من يقوت ) . وقد أوجب الإسلام على الآباء تعليم أطفالهم ، وهذا ما فهمه على بن أبي طالب من قوله تعالى : { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } حيث قال : ( علموهم وأدبوهم ) وينقل عن الشوكاني في هذه الآية : علينا أن نعلِّم أولادنا الدين والخير وما لا يستغنى عنه من الأدب ، ثم ذكر قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما تحل والدٌ ولداً خيرٌ من أدبٍ حسن ) .ويرى ابن القيم : ” وجوب تأديب الأولاد وتعليمهم والعدل بينهم حيث يقول : إن من أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة ، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم ، وترك تعليمهم فرائض الدين وسنته ، فأضاعوهم صغارا فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آبائهم كبارا ، وكم من والد حرم ولده خير الدنيا والآخرة ، وعرضة لهلاك الدنيا والآخرة ، وهذا من عواقب تفريط الآباء في حقوق الله وإضاعتهم لها وإعراضهم عما أوجب الله عليهم من العلم النافع والعمل الصالح ” .
وقد أقرت الشريعة الإسلامية حق الطفل في اللعب وقد أورد علماء الحديث نصوصاً كثيرة في كتبهم تحت عنوان ” استحباب التصابي مع الولد وملاعبته ” تفيد أن اللعب مع الأطفال من الأمور المستحبة في الشريعة الإسلامية .
كما يعتبر الإسلام المساواة في معاملة الأطفال ذكوراً وإناثا من الأمور المهمة التي تبنى عليها الأسرة ، أسلوب تنشئة أبنائها ، روى الطبراني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اعدلوا بين أبنائكم ) فالإسلام لم يفرق في المعاملة بين ذكرٍ وأنثى ، وإذا وجد من يميزون بين البنت والولد ، فالسبب يعود إلى البيئة الفاسدة التي رضعوا منها أعرافاً ما أنزل بها من سلطان تتصل بالجاهلية ، وهذا يعود لضعف الإيمان وعدم رضاهم بما قسم الله .
وقد يكون للعبد في البنات خيرٌ في الدنيا والآخرة ، قال صالح بن أحمد : كان أبي إذا ولد له ابنة يقول : ” الأنبياء كانوا آباء بنات ” ، وقد أنكر الإسلام التمييز بين الذكر والأنثى وأمر بالعدل بينهم، وميز البنت بأن جعلها الله حجاباً للآباء من النار عند حسن تربيتها. فقد روى الإمام أحمد في مسنده، عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن وسقاهن وكساهن من جِدَته ( أي: ماله ) كنّ له حجاباً من النار ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( من كان له أنثى فلم يهنها ولم يؤثر ولده عليها أدخله الله الجنة ) .
روى مسلم عن النعمان بن بشير قال : ( انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ! أشهد أني قد نحلت – أي أعطيت النعمان كذا وكذا – من مالي فقال : أكل بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النعمان ؟ قال لا ، قال فاشهد على هذا غيري ، ثم قال : أيسرك أن يكونوا في البر سواء ؟ قال : بلى ، قال : فلا إذن ) وفي رواية أخرى لمسلم ( أفعلت هذا بولدك كلهم قال : لا قال اتقوا الله واعدلوا في أولادكم ) .
وقد لاحظ المربون أن للأطفال حاجات نفسية لا تقل في أهميتها عن حاجتهم إلى الغذاء وإلى الرعاية الصحية والجسمية ، كالشعور بالأمن والطمأنينة ، والمحبة والعطف ، وما أحسن ما قالته فاطمة الأنمارية عندما سئلت :” أي أولادك أحب إليك ؟ فأجابت : هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها ” . كما أن الصغير إذا فقد العطف والمحبة نشأ غير سوي وأصاب صحته النفسية والعقلية والخلقية انحرافا ، وكثيراً ما تكون بداية الشذوذ والانحراف والإجرام .
لقد تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع عالم الطفل فعمل على بنائه وتنميته وتزكيته وتعليمه بالوسائل التربوية ، التي تستوعب خصائص الطفل على اختلافها ، من بناء عقيدة الطفل إلى تربية سلوكه وخلقه ، إلى تنمية حسه الاجتماعي والنفسي والعاطفي ، والتنويع في وسائل التربية ، بالقدوة تارة والموعظة أخرى ، وبالقصة والعبرة ، وبالترويح والتدريب على المعاني السامية وفقاً لقيم السماء .
من حقوق الأطفال في الإسلام معانقتهم، وتقبيلهم وملاعبتهم، وممازحتهم ( قَبَّلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ( من لا يرحم لا يرحم) رواه البخاري . وفيه أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقبلون الصبيان فما نقبلهم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة ؟ ) .
وكان يأخذ الحسن بن علي و الحسين فيقعدهما على فخذه يلاعبهما ويحملهما ، مما يدل على أن من حق الطفل أن يلعب وأن يلهو، وأن يشبع رغبته في ذلك وكان عليه الصلاة والسلام إذا مرَّ بالأولاد وهم يلعبون ألقى عليهم السلام ووقف ينظر إليهم ، وكان يخاطب الصغير منهم بما يثير اهتمامه منهم فيقول سائلاً الطفل عن عصفوره الخاص ( يا أبا عمير ما فعل النغير ) .
ومن أهم ما ينبغي الاهتمام به والحرص عليه تعويد الأبناء على أداء فرائض دينهم، وتربيتهم عليها منذ وقت مبكر؛ كيلا يَشق الأمر عليهم حين البلوغ؛ ولهذا وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يَحُثُّ أولياء الأمور على تربية الأبناء على تعاليم دينهم منذ وقت مبكر من أعمارهم، فيقول: ( مُروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ) رواه أبو داود ، وتدريب الأبناء وتعويدهم على صيام شهر رمضان يندرج تحت هذا الأمر النبوي. وقد ورد ما يؤكد على عدم غشهم أو الكذب عليهم، جاء في حديث عبد الله بن عامر ، قال: ( دعتني أمي ورسول الله قاعد في بيتنا فقالت: ها تعال أعطيك فقال لها : ما أردت أن تعطيه؟ قالت : أعطيه تمرا فقال لها : أما أنك لو لم تعطيه شيئاً كتبت عليك كذبة ) . فالكذب على الطفل يفقده ثقته بأبويه ، فينصرف عن الاستماع إليهما ويعمد إلى تقليدهما بالكذب.
إن تربية الأولاد أمانة ومسؤولية لابد من القيام بها، لأنهم إذا أضاعوا تربيتهم صغاراً لم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كباراً ،عاتب أحد الآباء ولده العاق فقال الولد: “يا أبت إنك عققتني صغيراً فعققتك كبيراً، وأضعتني وليداً فالمطلوب من الآباء إعانتهم أولادهم على برهم ، مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليعن ولده على بره ) . وإلا فإنهم سيحاسبوا على عقوق أولادهم كما يحاسب الأولاد على عقوقهم . جاء أحد الناس إلى عالمٍ من العلماء وقال: أشكو إليك ابني ضربني على وجهي. قال: أعلمته القرآن؟ قال: لا. قال: أعلمته السنة؟ قال: لا. قال: أعلمته آداب العرب؟ قال: لا. قال: ظنك ثوراً فضربك ” ، وما عق الابن أباه إلا لأن الأب عق أباه ، وما علَّم ابنه برّ الوالدين
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
أسأل الله أن يصلح لنا ولكم الذرية ، وسيكون موضوعنا في الجمعة القادمة خصائص وأهداف تربية الطفل في الإسلام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *