قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } الحشر18. واحذروا أن تكونوا ممن قال الله فيهم : { استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أُوْلَئكَ حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } المجادلة 19 .
إن من نواقض الإسلام السحر، ذلكم البلاء المستشري والحقيقة المرة ، داء من أدواء الأمم قديما ، ولسوء آثاره اتهمت به الأنبياء ، وهم منه براء : { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } الذاريات52.
وهو مشكلة من مشكلات الزمن حديثا ، وفى عصر التقدم المادي تزداد ظاهرة السحر والشعوذة نفوذا ، وتجرى طقوسه في أكثر شعوب العالم تقدما ، وربما أقيمت له الجمعيات والمعاهد أو نظمت له المؤتمرات والندوات . والسحر له حقيقة وإذا كان حقيقة فما جزاء الساحر؟ ولماذا يروج السحر في بلاد المسلمين؟ وما حكم الذهاب للسحرة والعرافين؟ وما عقوبة الذاهبين ؟
أما السحر فيطلق في لغة العرب على كل شيء خفي سببه ولطف ودق ، ولذلك قالوا ” أخفى من السحر ” . أما تعريفه في الشرع وكما قال ابن قدامه :”عقد ورقى يتكلم به أو يكتبه أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له . وهو أنواع مختلفة وطرائق متباينة ، ولذا قال الشنقيطي رحمه الله : “اعلم أن السحر لا يمكن حده بحد جامع مانع ، لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته ، ولا يتحقق قدر مشترك بينهما يكون جامعا له ، مانعا لغيره ، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافا متباينا ” .
ومن السحر: الصرف والعطف، والصرف هو صرف الرجل عما يهوى ، كصرفه مثلا عن محبة زوجته إلى بغضها والعطف عمل سحري كالصرف ، ولكنه يعطف الرجل عما لا يهواه إلى محبته بطرق شيطانية .
والسحر محرم في جميع شرائع الرسل عليهم السلام وهو أحد نواقض الإسلام ، حتى قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب : فمن فعله أو رضي به كفر ، والدليل قوله تعالى : { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } . وقد دل القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة وأقوال أهل العلم على أن للسحر حقيقة ، كيف لا ؟ والله يقول : { ومن شر النفاثات في العقد } ويقول :{ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } البقرة102. ويقول عن موسى عليه السلام :{ يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى } طه 69 .
وفى الحديث المتفق على صحته : عن عائشة رضي الله عنها قالت : (سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخيل إليه أنه يفعل الشيء ، وما يفعله .. الحديث ) . قال النووي: ” والصحيح أن السحر له حقيقة وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة ” . بل قال الخطابى بعد أن أثبت حقيقة السحر، ورد على المنكرين :” فنفي السحر جهل، والرد على من نفاه لغو وفضل ” . وإن مكمن الخطر في تعليمه ، والعمل به ، لما في ذلك من الكفر والإشراك بالله من جانب ، وإلحاق الأذى والضرر بعباد الله من جانب آخر قال الله تعالى : { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } البقرة 102 .
ويبين الشيخ السعدي وجه إدخال السحر في الشرك والكفر فيقول : ” السحر يدخل في الشرك من جهتين : من جهة ما فيه من استخدام الشياطين ومن التعلق بهم ، وربما تقرب إليهم بما يحبون ، ليقوموا بخدمته ومطلوبه ، ومن جهة ما فيه من دعوى علم الغيب ، ودعوى مشاركة الله في علمه ، وسلوك الطرق المفضية إلى ذلك ، من شعب الشرك والكفر ” ، ويقول الذهبي : ” فترى خلقا كثيرا من الضلال يدخلون في السحر ويظنون أنه حرام فقط، وما يشعرون أنه الكفر ..” ولهذا جاء تحذير المصطفى صلى الله عليه وسلم عن السحر أكيدا شديدا ، وجاء حكم الشريعة في السحرة صارما عدلا . يقول عليه الصلاة والسلام : ( اجتنبوا السبع الموبقات … فعد منهن: السحر)، والموبقات هي المهلكات . وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام : ( ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر ) . وفي حديث ثالث يبلغ تحذير النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول : ( ليس منا من تطير أو تطير له ، أو تكهن له ، أو سحر له ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) . وفي حكم السحرة وحدهم يقول ابن تيمية رحمه الله : ” أكثر العلماء على أن الساحر كافر يجب قتله ، وقد ثبت قتل الساحر عن (عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان ، وحفصة بنت عمر، وعبد الله بن عمر ، وجندب بن عبد الله … ” .
وروى أن عمر بن الخطاب كتب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلنا ثلاث سواحر ، قال ابن قدامة معلقا على هذا الأثر : ” وهذا اشتهر فلم ينكر فكان إجماعا ” وإنما جاء حكم الشريعة بقتل الساحر لأنه مفسد في الأرض يفرق بين المرء وزوجه ويؤذي المؤمنين والمؤمنات ويزرع البغضاء ويشيع الرعب ويفسد على الأسر ودها ، ويقطع على المتوادين حبهم وصفاءهم ، وفي قتله قطع لفساده ، وإراحة البلاد والعباد من خبثه وبلائه ، والله لا يحب المفسدين .
أما لماذا يروج السحر وتكثر السحرة في بلاد المسلمين ؟
1_ضعف الإيمان في نفوسنا أحيانا ، إذ الإيمان دعامة كبرى ، ووقاية عظمى من كل فتنة وشر ومكروه : { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } التغابن11. وفى الحديث : ( إن الإيمان ليَخلَق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم ) فحين يضعف الرجاء بالله، ويقل الخوف منه ويهتز جانب التوكل على الله ، والرضاء لما قدر ، واليقين بما قسم يتسامح بعض الناس بالذهاب للسحرة والمشعوذين فيزيدهم ذلك وهنا على وهنهم ، وتستلب أموالهم وعقولهم .
2_ الجهل بأحكام الشريعة ، وما جاء فيها من زواجر عن الذهاب إلى هؤلاء السحرة والعرافين، وما ورد في ذلك من ضرر على المعتقد والدين. وهل يذهب إليهم من عرف وقدر قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ) الحديث .
أما إن سألهم وصدقهم فالخطب أكبر ، والخطر أعظم ، فقد روى الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أتى عرفا أو كاهنا فصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) وعند البزار بسند صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفا قال : ( من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) .
3- سذاجة بعض المسلمين وجهلهم بحال أولئك السحرة والمشعوذين فتراهم يذهبون يستطبون عندهم ، وأولئك لا يملكون من أنواع العلاج إلا ما يضر ولا ينفع ، تخرصات وأوهام وتمتمات وطلاسهم وكتابات وربط تباع بغالي الأثمان وهي لا تساوي فلسا عند أولي الألباب .
بل ولو ذهبت ترقب أحوال هؤلاء المشعوذين الدينية والخلقية لرأيت العجب العجاب ، ولأيقنت أنهم أحوج الناس إلى العلاج والاستصلاح ، وإن نصّبوا أنفسهم على هيئة الشيوخ وحذاق الأطباء
4- طغيان الحياة المادية المعاصرة إذ قست له القلوب وجفت ينابيع الخير في أرواح كثير من الناس ، ونتج عن ذلك العقد النفسية والمشكلات الوهمية وارتفاع مؤشر القلق ، وزاد الطين بلة ظن أولئك المرضى أن شفاءهم يتم على أيدي السحرة والمشعوذين ، فراحوا يطرقون أبوابهم ويدفعون أموالهم وينتظرون الشفاء على أيديهم، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار .
5- لقد أصبحت بعض بيوت المسلمين مرتعاً للشياطين يقل فيها ذكر الله ، وقلَّ أن يقرأ فيها كتاب الله أو تردد فيها التعاويذ والأوراد الشرعية التي لا يستقر معها الشياطين ، وفي مقابل ذلك تجد هذه البيوت ملأى بأنواع المنكرات المرئي منها والمسموع والصور العارية وغير العارية ، وألوان الكتب والمجلات السيئة ، وقد لا تخلو من مأكول أو مشروب محرم وهذه البيوت الخربة وإن كان ظاهرها العمران تصبح مأوى للشياطين وتصطاد أهلها وتصيبهم بالأدواء ، فلا يجدون في ظنهم سبيلا للخلاص إلا عن طريق السحر والشعوذة والكهانة وهكذا يسري الداء ، وكلما ابتعد الناس عن الله ومنهجه عظمت حيرتهم وكثر بلاؤهم ، ووجد شياطين الجن والإنس لدجلهم رواجا .
6- ضعف دور العلماء والمفكرين وأهل التربية في التحذير من السحرة وبيان الأضرار الناجمة عن الذهاب للمشعوذين والعرافين ، وتلك وربي تستحق أن تعقد لها الندوات وأن تسلط عليها الأضواء في وسائل الإعلام المختلفة حتى يتم الوعي ولا يؤخذ الناس بالدجل .
7- عدم تنفيذ حكم الله في السحرة أو ضعف المتابعة لهم فانتشروا وراج دجلهم وقد يكون من أسباب ذلك عدم الإثبات وضعف تعاون الناس في البلاغ ، إذ من الناس من يقل أو ينعدم خوفه من الله ، فيسعى في الأرض مفسدا إلا أن تردعه قوة أو يخاف الحد ، ومن المعلوم أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ، وقد جاء في حديث يصح وقفه – دون رفعه – ( حد الساحر ضربة بالسيف ) .
9- استمرار المرض وضيق الصدر وقلة الصبر وضعف الاحتساب للأجر عند الله. وكل ذلك قد يدفع البعض للذهاب لهؤلاء. وإن لم يكن مقتنعا في البداية.
10- والدعاية الكاذبة سبب للرواج والذهاب لهؤلاء الدجالين فقد يكتب الله شفاء لمريض على أيدي هؤلاء لتكون له فتنة.
فيطير بالخبر و ينشر في الآفاق الدعوة للذهاب لهؤلاء ليفتن غيره كما فتن ، وبعض الناس لديه القابلية للتصديق لأي خبر دون تمحيص أو نظر في العواقب
وهكذا يفتن الناس بعضهم بعضا. ويكونون أداة للدعاية الكاذبة الخاسرة من حيث يشعرون أو لا يشعرون؟ هذه بعض الأسباب لرواج السحر و الذهاب للسحرة . وهناك بعض القنوات الفضائية مهمتها نشر السحر وتعليم السحر وتقريب المسلم للسحرة والكهنة ، ما إن تفتح هذه القنوات إلا وتجد أرقاماً خاصة تناديك بأن تجيبك وتقرأ لك حظك ومستقبلك ومستقبل أمرك وسعادتك وشقاءك وغناك وفقرك إلى غير ذلك من هذه الخرافات والأكاذيب وهي – بلا شك – قنوات شيطانية وقنوات لعينة لا خير فيها ، وقاتل الله من أنشأها وأعدها ، إنها قنوات فيها إفساد للدين والعقيدة ، فلا خير في مشاهدتها والنظر إليها ، فالناظر إليها مرتكب وعيداً شديداً وإثماً عظيماً ، لأنها مبنية على الكذب والأوهام والتخرُّصات والظنون الكاذبة والله يقول : { قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } 65 النمل .
إن هذه القنوات الخبيثة ، هي عداء للإسلام بنشر هذا السحر والدعوة إلى تعلمه فلا تكن يا أخي المسلم عوناً للشيطان واتق الله عند النظر إلى هذه القنوات فاختر منها ما فيه الخير وابتعد عن السيئ منها ، فهناك قنوات إلحادية تحارب ثوابت الأمة ، وقنوات خليعة تنشر الشر والفساد وتدعو إلى الرذيلة بكل ما أوتيت من إمكانات ، وقنوات سحرية شيطانية لا خير ولا مصلحة للفرد ولا للجماعة فيها ، فاتق الله أيها المسلم وكن حذراً من القنوات التي تروّج للسحر تعلماً وتعليماً وتدعو إليه وتحبِّب النفوس إليه ، وهذه الأرقام والاتصالات بها يحرم مساعدتهم والتعامل معهم ، ولا يحل لأي جهة كائنة أن تعين أولئك أو تسهل الاتصال بهم فإن من سهل الاتصال بهم وأعانهم فهو شريك لهم في الإثم والعدوان ، نسأل الله لنا ولكم الثبات على الحق والاستقامة عليه .
حقيقة السحر والتحذير من السحرة
