عند نهاية كل سنة ميلادية، تسارع القنوات الفضائية والمنابر الإعلامية للترويج للحفلات والتهنئات، بأحد أعياد النصارى البارزة ، باهتمام يفوق الاهتمام بأعياد المسلمين الواجبة ، عيد الفطر والأضحى ، وبعيدا عن كون الأمر تشبهًا بالنصارى ومخالف لشريعة الإسلام التي استبدلت أعياد الجاهلية بعيد الفطر والأضحى ، ومع أن النصوص واضحة في تحريم التشبه بالكفار حتى في الاحتفال بأعيادهم، إلا أن الاحتفال بيوم رأس السنة على طريقة النصارى منتشرة في عالمنا الإسلامي بشكل يدعو للاستنكار وفيها تجاوز، وصية نبينا صلى الله عليه وسلم : (خالِفوا المشركين) رواه البخاري في صحيحه، ورواه مسلم في صحيحه ، والتحذير الشديد من عواقب هذا الأمر في قوله : (من تَشبَّه بقوم فهو منهم ) اخرجه أحمد وأبو داود ، وصححه ابن حبان، وحسّن إسناده ابن حجر في فتح الباري وصحَّحه الألباني في الإرواء . وأوضَحَ هذه المعاني الإمام الذهبي بقول: “فإذا كان للنصارى عيد، ولليهود عيد، مُختصين بذلك، فلا يُشارِكهم فيه مسلم، كما لا يُشارِكهم في شِرْعتهم ولا في قِبلتهم” كتاب تشبُّه الخسيس بأهل الخميس للذَّهبي . بل ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أبعد من ذلك فقال: “ولا يجوزُ بيعُ كل ما يستعينون به على إقامة شعائِرهم الدينية” كتاب اقتضاء الصراط المستقيم. وقد أكد ذلك أيضا تلميذه الإمام ابن القيم حيث قال: “وكما أنه لا يجوز لهم إظهاره [أي العيد] فلا يجوز للمسلمين ممالأتهم عليه ولا مساعدتهم ولا الحضور معهم ، باتفاق أهل العلم الذين هم أهله” كتاب أحكام أهل الذمة . ثم كيف يمكن لمسلم مهتدي أن يتبع كافرا ضالا في ضلاله! قال تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾سورة المائدة 77.
وما يحز في النفس ، أن يسارع المسلم لمحاكاة الزينة في أعياد غير المسلمين فتكتسي المنازل بألوان ما يسمى “الكريسمس” ومنهم من يعبئ أذهان أطفاله بفساد فكري فيوهمهم أن “بابا نويل” أو “سانتاكروز” سيحضر لهم الهدايا ! وهي أكبر أكذوبة ربي عليها أولاد النصارى ، وكم من مسلم أخذ لأطفاله صورًا في حضن هذا الرجل الذي يلبس اللباس الأحمر المميز بلحية بيضاء اصطناعية ، ولسنا في مقام تفصيل أصل قدسية هذا العيد والشجرة التي هي رمز فيه، ولا تاريخ “سانتاكروز” وعلاقته الوثيقة بمفاهيم عقدية لدى النصارى، ولا حتى كشف حقيقة عيد يوم رأس السنة الذي يمثل عقيدة وتاريخا لديهم، ولكننا بصدد التنبيه على أن التشبه بالكافرين في أعيادهم بدعة عظيمة وجب اجتنابها والتحذير منها.
وإنه لمؤسف أن نرى الشباب المسلم في عصرنا الحديث الذي تنزف فيه الأمة المسلمة من وطأة النوازل والمصائب ، وهو يتمايل راقصا مبتهجا لانتهاء سنة ميلادية كاملة، وهذا إن دل فإنما يدل على درجة التبعية التي ابتلي بها المسلمون إلا من رحم ربي، فكان وصفهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟! قَالَ: فَمَنْ؟ ) أخرجه البخاري ومسلم.
بأي رأس سنة يحتفلون
ولعل ما يعمد له الساعون في خراب هذه الأمة ومحو قداسة شرائعها الدينية وإعاقة مسيرة حضارتها الإسلامية، هو تزيين أجواء احتفالات رأس السنة الميلادية في نفوس المسلمين، الغارقين في شعور اليأس والقنوط والعجز وكذا الفقر والحاجة، فمجتمعات برمتها مضطهدة وثورات مجهضة وآمال محطمة، فيتسلل لهم الشيطان من خلال هذه الاحتفالات فيميلون ميلة واحدة للهو المحرّم لعلهم يهربون من واقعهم المرير، وليت الأمر يتوقف عند اللهو بل هو التمجيد لطريقة الغرب في الاحتفال واعتباره رقيًا حضاريًا وتميزًا يحسدون عليه رغم كل الشذوذ الذي يحمله ومشاهد التخلف وانحطاط السلوك الذي تعكسه ممارسات المحتفلين به، فكان تأثير الثقافة الغالبة غلابا! ويتساءل المرء من يدير هذه القنوات الإعلامية التي تضخ هذا الفساد ضخًا في مجتمعاتنا الإسلامية، من يموّلها ويوجه سياساتها الإعلامية! من يدفع بإدارات الترفيه لتتوسع في جلب كل شاذ وساقط وسفيه لشغل المسلمين برقصه على منصة، ساعات ممتدة تهدر بلا فائدة أليس تيار التغريب المسموم الذي يتربص بنهضة الأمة والذي يحاول أن يضرب أسس نهوضها بشغل شبابها عن دينه بإغراقه في مستنقع الشهوات ويا ليتنا نهتم بأعيادنا كما نهتم بأعياد نهاية السنة الميلادية ، وكيف يمكن أن يمثل الإسلام من لا يعظم شعائر الله، ومن لا يغار على حرماته .
إننا نشاهد مزامير الشيطان وقد غزت أجواء المسلمين بحجة الفن والطرب! وكأننا في وقت دعة وترف، في حين تباد أمم كاملة من أمة الإسلام في تركستان ومينيمار وإفريقيا الوسطى على مرأى ومسمع البشر! وكأن فلسطين لا تئن تحت مطرقة الاحتلال الصهيوني وسندان العمالة والتطبيع!
فبأي يوم رأس سنة يحتفلون؟ هل يحتفلون على تلك الدماء المسلمة التي سكبت، أو على حجم الدمار الذي نال من مدن المسلمين ، أم على أعداد الأسرى الذين يعانون خلف زنازين الظلم! أم على عدد الأطفال الذين قضوا من الجوع؟ أم على محاربة الفضيلة والدين! وليت الذي سارع للاحتفال بهذا اليوم! أن يجعله يوم محاسبة شاملة، لما أنجزه من خير أو وقع فيه من شر طيلة أيام السنة، ولينظر كم اقترب وكم ابتعد من خط النجاة فإن اطمأن لإنجازاته فلا يفسدها بخاتمة الحرام، كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا. وإن وجد التقصير فلابد من الاستدراك لا الانبساط والاحتفال! ومع أن الله أبدلنا عن السنة الميلادية سنة هجرية مليئة بالعبر ومواقف الفخر والاقتداء، لا زال المسلمون يتبعون الغرب حتى في نظام تواريخه!.
