أنعم الله علينا بالإسلام، وجعله لنا شريعة ومنهاجاً وأمرنا بالتزام أحكامه في كل مجالات الحياة ، فليس الإسلام فقط عبادات يتعبد بها الناس لربهم ، بل هو سلوك ومعاملات ، وعقيدة يجب علينا الإيمان بها إنه كل متكامل لا يقبل التجزئة ، وقصره على جانب دون جانب تحكُّم بلا دليل ، لأن الشريعة تؤخذ كلها دون تبعيض وانتقاء ، بالاختيار والتشهي فمن أداها على وجهها المشروع ، نال رضا الله فالصلاة كفيلة بتزكية النفس ، والزكاة كفيلة بسلامة المجتمع ، وبث روح التعاطف بين أفراده والأمر بالمعروف كفيلٌ باستحياء معنى الحق واستدامة هيبته ، والحكم بما أنزل الله كفيلٌ بحسم الشر، وإشاعة الأمان ، والثقة حول الدماء والأموال والأعراض ، والمشي في مناكب الأرض ابتغاء رزق الله كفيل بتوفير الغنى ، ومن فرّط في فريضة من فرائض الإسلام انثلم إيمانه ، لأن الله لا يقبل من مسلم إلا أن يؤدي الفرائض كلها تأدية تامة ، فلو أدى بعضها ورفض البعض الآخر ،لم يقبل منه الذي فعل ، وحق عليه قول الله تعالى : ] أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزيٌ في الحياة الدنيا ويوم القيامة يرد إلى أشد العذاب [ البقرة . هناك من الدعاة من لم يعط الدعوة حقها من الرعاية ، فطاشت سهامهم وخسرت أيامهم ، وزادوا شمل الأمة تفريقا، على أن منهم من دعا إلى حق ، ولكن بغير حكمة ولا مراعاة لما تقتضيه سياسة الأمة ، وأمرَ بمعروف ولكن على غير المنهج المعروف ، ونهى عن منكر ولكن على غير الوجه المألوف ، وقد علمتنا الآية الكريمة ] أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة [ أن للدعوة طريقتين : الحكمة والموعظة الحسنة ، فأما الحكمة : فهي لخطاب العقل بالبرهان وأما الموعظة الحسنة : فهي للتأثير في النفس بمخاطبة الوجدان ، ولا يحتاج إلى الطريقتين إلا من يدعو إلى حق ، موافق لمصلحة الناس الحقيقية ، وهي العمل على نصرة الدين ونشره ، وتعميم دعوته ، وأن يراعي الداعية أن الجمود على رأى من الآراء غير القطعية ، يجعل الإسلام منعزلاً وسط هذا العصر المملوء بالتيارات والآراء الفكرية المناهضة للإسلام وإذا عرف الداعية أن الأصول الثابتة للدين والتي يقام عليها بناء الإسلام قائمة ، وأن الاعتماد عليها هو الأساس ، وأن الفروع ما هي إلا مكملات يمكن أن تتغير فيها وجهات النظر ، بقصد زيادة الدين كمالاً فوق كمال، أو على الأصح إظهار ما فيه من كمال أصيل ، يحتاج إلى إبرازه ، بصورة تتناسب مع أسلوب العصر ، إذا عرف هذا ، فهو جدير بحمل الدعوة إلى الله .
إننا نرى فئات وفرقٌ، تمارس تساهلاً دعوياً عجيباً ، وهزالاً إصلاحياً فريداً ، وتماوتاً في الخير لا يمتّ للحزم بصلة ؛ حيث يأخذ نمطية الدعة والسهولة والراحة والليونة ، والضعف والنعومة وقد صدع شامخاً باللين والتيسير ، وتسوّد متعاظماً بالبسمة والتبشير، وانبرى جاهداً بالتسلية والتحبيب بسرد القصص والأحاديث الضعيفة أو الموضوعة تدعيماً لأحاديثه ، فيجعل الوسائل غايات والمقدمات خاتمات، والتوطئات مقاصد ساميات. فلم يفرّق بين مدخل ومقصد، وأصل وفرع، فخلط الفروع بالأصول، والوسائل بالمقاصد، فهانت الأصول واختلطت المفاهيم، وأضحت الدعوة مزاداً يؤمه غيرُ فقيه، ويقصده غير متقن ، ويقوده غير متمكن ، ممن يسلكون مع المدعوين لطيف الوسائل وخفيفها ، وسهلها ولينها ، ولا شك أن مثل هذا المسلك ، إجحاف بالدعوة، وإقصاء في فهم حقيقتها واتجاهاتها وأهدافها، وجناية على قطوفها وثمراتها وبركاتها ، لأن تجريد الدعوة من العلم خطأ محض، وفكرة شاذة ، بل إنهم ينظرون للعلــم الشـرعي ، نظرة تآمرية ، فمثلاً يعتقدون كأن الدين محصورٌ في شروط الصلاة، وشروط النكاح والبيع، وأغفلوا جوانب واسعة في العلم ، مع أن أسلوب الدعوة إلى الإسلام ، يتمثل في التركيز على العقيدة وقضايا الإيمان الكلية فمن الدعاة من يتمتّع بالإيمـان والثّقة واليقين ، فحمل الأمانـــة وأدِّى الرسالة ، وجاهد في الله حقّ جهاده حتّى أتاه اليقين ، ومنهم ضعيف الإيمان يملأه الخوف والتردّد، لا يؤدي الواجب الدعوي كما هو مطلوب ويقول لنفسه : لا أستطيع ، ربّما أفشل حاله كحال من قال فيه الشاعر: كالعير في البيداء يقتلهـا الظّمأ والماء فوق ظهورها محمول
إنهاّ لجريمة قتل ، أن ننتمي لهذا الدّين ، ثمّ لا نحسن فهمه، ولا نحسن عرضه ، ولا نحسن الدّفاع عنـه وإن كثيرا من مشكلات النّاس ، ناتجة عن فهم ساذج ، وعن خلل في العقيـدة ، وما من محنة أو بلية تنزل بساحتنا إلاّ بسبب خطأ في التصوّر والاعتقـاد، وما من مشكلة تصيب الإنسان إلاّ بسبب معصية ارتكبهـا، وما من معصية ارتكبهـا الإنسان إلاّ لسوء تصوّره وقلة تفقهه ، ولو قرأ القرآن الكريم ، وعمل بما أمر ، لاكتسب تصوّرا صحيحا ، فالحرام والمعاصي والشّبهات مدمّرة ، من يقترب منها يحترق ، لأنّه إذا صحّت العقيدة صحّ الدين ، وما أكثر التصوّرات الخاطئة عن الدّين وعن الحياة بصفة عامّة ، فمثلاً كان تصوٍّر الصّحابة لمفهوم الإفلاس أو المفلس عندما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتدرون من المفلس؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، قال : المفلس فيكم من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا ، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإذا فنيت أخذ من سيّئاتهم ثمّ رُمِيَ به في النّار ) إذن تصورهم لمفهـوم الإفلاس كان خاطئا ، ونحن اليوم الكثير منّا لا يملك تصـوّرًا صحيحا عن الصّلاة والصّيـام والحجّ ، وعن الإنفاق وعن الدعوة إلى الله ، لذا ينبغي أن ننتبه ونتعلّم جيّدا ، فقد ثبت في الحديث : ( من يرِد الله به خيرا يُفقِّهْه في الدّين ) إذن من الخير لنا أن نملك تصوّرا صحيحا للدّيـن ، ولمفاهيم وقوانين الحيـاة وما أكثرها! وإن كثيراً من المسلميـن اليوم ، يفهمون الدّين فهما سطحيا ساذجا ، فتصوّرا الدين تصوراً خاطئا بعيداً عن حقيقته ، تصوّروه شعائر تعبّديـة فقط ، ففصلوا الدّين عن السّلوك ، فهموه عبادات فقط ، وما فهموه ورعاً وخشيةً وأمانةً ، وما فهموه ليس مجرد استماع لكلام الدين والإيمان ، لأن مجرد السماع وحده ، لا يكفي في إقامة الحجة ، إذا احتاج السامع إلى المزيد من الإِيضاح والمناقشة والتفكير ، ولذلك فإننا نفهم من سماع كلام الله ، المعنى الذي يحقق للسامع كل عناصر القناعة الفكرية ، بحيث لا يبقى لديه شيءٌ يريد أن يسأل عنه أو يستوضحه ، فإذا لم يذعن بعد ذلك ، كان جاحداً بلا أساس ، لأنَّ القضية في الدعوة ، ليست مجرد كلمات تُقال أو تُسمع بطريقة تقليديّة جامدة ، بل هي قضية عقيدة ، يُراد لها أن تتركز وتتعمّق في فكر الإنسان وروحه وضميره ، ولهذا فإن من مهمّة الدعاة إلى الله أن يعملوا على رفع مستواهم الفكري ، وتوجيههم إلى السُّبُل التي تقودهم إلى آفاق المعرفة الواسعة المنفتحة على وحي الله وشريعته.
إن من الدعاة من لم يفرقوا بين الدعوة للإسلام بشكل عام ، وبين الدعوة إلى تطبيق الإسلام ، في مجتمع بحاجة إلى التغيير ، والتغيير لا يكون بتناول جزء بسيط من الإسلام والحث عليه ، وترك الكل من الإسلام ، فمن لا يدعو إلى الإسلام كاملا فيتحدث عن الصلاة وفضائلها ، وعن الصيام والطاعات ، وقيام الليل وفضل صلاة الجماعة وسنة السواك ، ويعرض عن آيات القران التي تدعو إلى تطبيق شرع الله كاملا ، ويتجنب أن يأمر ويأتمر بطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله ، ويبتعد كل البعد عن السياسة ، وكأن الدين لا علاقة له بها قيل للحسن البصري : إن فلاناً لا يعظ ويقول : أخاف أن أقول ما لا أفعل ، فقال الحسن : وأينا يفعل ما يقول؟ ودّ الشيطان لو ظفر بهذا, فلم يُؤمر بمعروف ولم يُنه عن منكر. ولقد أحسن القائل :
لئن لم يعظ العاصين من هو مذنبُ فمن يعظ العاصين بعد محمد
فالعمل المجدي هو حمل الدعوة كما حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركيز مفاهيم الإسلام ، وترسيخ العقيدة في قلوب المسلمين ، وحمل كل الإسلام ، لأن الإسلام ليس عبادات فقط ، بل هو عقيدة وشريعة ومنهج حياة والرسول صلى الله عليه وسلم لم يدع إلى العبادات وحدها ، وان كان في الدعوة إليها خيرا عظيما ، فما عُذِّب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدعوة إلى العبادات ، إنما عذب بلال وعمار وغيرهم من الصحابة الكرام ، على الدعوة إلى العقيدة الإسلامية التي امنوا بها ، ولم يكن هم الرسول صلى الله عليه وسلم يتركز على حث الناس على الصلاة والصيام ، بل كان صراعا فكريا مع الكفر ، وكان كفاحا سياسيا مع الأنظمة وكان دعوة للكفار إلى الإسلام } قل هذه سبيلىَ أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنىَ { 108 يوسف .
