المراد بالرخص هنا ليست حقيقتَها؛ وإنما هي التيسيراتُ والتخفيفات التي ينفرد بها مذهبٌ دون آخر. نحو عدم نقضِ الوضوء من لمس المرأةِ والاكتفاء بمسح بعض الرأس في الوضوء ، ولذا كانت تسميتها بـالرخص تسميةً مجازية لا حقيقية ، ولا بد من العلم أن الرخص نوعان: الأول: رخص شرعية ثابتة بالكتاب أو السنة، كالقصر والجمع في السفر، فهذه يستحب الأخذ بها إذا وجد سببها .
والثاني: رخص المذاهب الفقهية، وهي فتوى عالم بالجواز في مسألة خلافية ، قال غيره فيها بالمنع والحظر. وتتبع مثل هذه الرخص أخذا بالأيسر مطلقا، دون مرجح شرعي، ودون تقليد العامي لمن يظنه الأعلم، بل على سبيل التشهي واتباع الهوى منكر لا يجوز .
ومن أبواب الشرِّ التي فتحها الشيطانُ على العباد ، بابُ تتبُّعِ رُخَصِ الفقهاء وزلاّتهم ، فخدعَ بذلك الكثيرين من جهلةِ المسلمين فانتُهكتِ المحرّماتُ وتُركتِ الواجباتُ ، تعلّقاً بقولٍ أو رخصةٍ زائفةٍ ، فصاروا يُحكِّمونَ أهواءَهُم في مسائل الخلافِ ، فيأخذون أهونَ الأقوالِ وأيَسَرَها على نفوسهم ، دون استنادٍ إلى دليلٍ شرعي ، بل تقليداً لزلّةِ عالم لو استبان له الدليلُ لرجع عن قوله بلا تردُّد ، فإذا ما أنكر عليهم أحدٌ ، تعلَّلوا بأنهم لم يأتوا بهذا من عند أنفسهم ، بل هناك مَن أفتى لهم بجوازِ ذلك ، وليسُوا بمسئولين ، فقد قلَّدوهُ والذنب عليه إن أصابَ أو أخطأ ، بل انهَّم يأخذونَ برخصةِ زيدٍ من الفقهاء في مسألةِ ما ويهجرون أقوالهُ الثقيلة في المسائل الأخرى ، فيعمدون إلى التلفيق بين المذاهب والترقيعِ بين الأقوال ، ويحسبُون أنهم يحسنون صُنعاً ، وأشاع الشيطانُ بين هؤلاء الناس مقولة : ” ضعها في رأس عالم واخرج منها سالماً ” ، فإذا نزلت بأحدهم نازلةٌ ، ذهب إلى بعض المتساهلين في الإفتاء ، فيفتيه بها مع مخالفتها للدليل ، مع أن المفروض على الإنسان أن يسأل من هو أهلٌ للفتيا، ولا يسأل من يعلم أنه يوافق هواه فيكون متتبعاً للرخص ، يدور مع هواه حيث دار ، ينظر في كل مسألة ما هو الأخف؟ وما هو الأيسر؟ وفي ذلك خروج عن الشريعة . وقد أجمع العلماء على أن من تتبع الرخص فهو فاسق ، ومن تتبع رخص الفقهاء فهو فاسق، وقد نهاه الشارع عن كل موجب للفسق، فالفسق إنما يجر إليه فعل المحرمات وترك الواجبات، وقد نقل عن غير واحد من العلماء ، أن تتبع الرخص يوجب الفسق ، قال ذلك الإمام أحمد والمروزي، ونقل الإجماع على فسقه ، ابن حزم وابن عبد البر وأبو الوليد الباجي من المالكية، وقال الأوزاعي : “من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام”. وأخيراً لعلّ الحل الأمثل للخروج من بؤر الرخص والشبهات ، هو التزام مذهب فقهي من المذاهب الأربعة في عباداتنا وسلوكياتنا ومعاملاتنا ، بحيث لا نخرج عن هذا المذهب إلاّ في حالات الحرج والمشقة في دائرة المذاهب الأربعة .
حكم تتبع الرخص
