حكم كتابة الأب بعض أملاكه باسم أحد أولاده لتكون له بعد موته


يجب على الأب العدل بين الأولاد في الهبة ، ويحرم التخصيص أو التفضيل إلا بسبب يوجب ذلك . فإن كان هناك ما يدعو إلى التفضيل أو التخصيص فلا بأس ، كأن يكون أحد الأولاد مريضاً أو أعمى أو ذو عاهة أو كان ذا أسرة كبيرة أو طالب علم ونحو ذلك من الأسباب فلا بأس بتفضيله لشيء من هذه المقاصد ، بشرط أن يفعل ذلك حال صحته في غير مرض مخوف, وفي هذه الحال يجوز له أن يهب بعض أملاكه لأحد أبناءه أو يبيعه له بيعا صوريا ولا حرج عليه في ذلك, والبيع إن كان صوريا فقط ، فهو في حقيقته هبة, وإذا رفع الرجل يده عن بعض أملاكه وحاز أحد الأبناء ما وهبه له ، وصار يتصرف فيه تصرف المالك صار له ذلك تشجيعًا له وإكرامًا، ويمنع الإبن العاق تأديبًا له، ولكن لا يعطي الأب كلَّ ماله لأحد أبنائه؛ لئلا يحرم وارثًا من حقه في الميراثِ، فقد نحل أبوبكر الصديق ابنته عائشة رضي الله عنهما عشرين وسقًا بالغابة، واختصها بها دون أختيها كما في روى في موطأ مالك ، وسئل مالك: عن الرجل يكون له ولد ، فيبره بعضهم، فيريد أن يعطيه من ماله دون بعض، أذلك له؟ قال: نعم، لا بأس به، ذلك له. وقال محمد بن رشد رحمه الله: إنما أجاز مالك أن يُعْطى الرجل العطية لمن يبره منهم؛ لأنه لم يقصد بذلك إلى تفضيل بعض أولاده على بعض، وإنما أعطى البار جزاء على بره، وحرم العاق أدبًا لعقوقه، فلا مكروه في ذلك إن شاء الله، وإنما المكروه أن يفضل بعض أولاده على بعض، فيخصه بعطية، مخافةَ أن يكون ذلك سببا إلى أن يعقه الذي حرمه عطيته، أو يقصر فيما يلزمه من البرِّ به ، وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد بقوله في تخصيص بعض الأولاد بالوقف : لا بأس إذا كان لحاجة ، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة . فإن للشخص المؤهل للتصرف أن يوزع جميع ممتلكاته بهبة أو صدقة أو غيرهما، إذا كان ذلك على سبيل النفاذ ، بحيث يتصرف كل من وهب له شيء ، تصرف المالك في ملكه. أما إذا كان ذلك معلقا بموت الواهب ، فإنه يأخذ حكم الوصية التي لا تجوز لوارث ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ) رواه أبو داود وغيره وصححه . وقال ابن قدامة في المغني: فإن مات ولم يَرْدده ، فقد ثبت لمن وهب له ، إذا كان ذلك في صحته، يعني: إذا فاضل بين ولده في العطايا أو خص بعضهم بعطية ثم مات قبل أن يسترده ، فإن ذلك يثبت للموهوب له ويلزم، وليس لبقية الورثة الرجوع.
ويجوز للوالد تخصيص أحد أبنائه بالعطية دون الآخرين إذا كان لهذا سبب خاص وحاجة معينة، فيجوز له مثلاً أن يساعد الولد المريض للعلاج، ولا يجب عليه تعويض الآخرين عما يدفعه لهذا المريض، وكذلك بالنسبة لابنه الذي يحتاج المال للدراسة، ونحو ذلك. ودليل ذلك ما رواه الإمام مالك في الموطأ من تخصيص أبي بكر ابنته عائشة رضي الله عنهما ببستان أهداه لها دون باقي إخوانها، وذلك لكفايتها – وهي أم المؤمنين وزوج النبي صلى الله عليه وسلم- عن حاجة الناس. وأما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إعطاء أحد الأبناء دون بقية إخوانه، كما رواه النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ رضي الله عنه أَنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِابْنِهَا فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً، ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَهَبْتَ لِابْنِي. فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي – وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ – فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا بَشِيرُ! أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لا قَالَ: فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ) رواه البخاري ومسلم ، فهذا النهي عندما تكون العطية على وجه المحاباة وتمييز أحد الإخوان على أشقائه بلا مبرر شرعي.
وكذلك الحكم إذا كان أحد الأبناء بحاجة إلى المساعدة للحصول على سكن ، فهذا يجيز للوالد تخصيصه ، ولا إثم عليه إن شاء الله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *