حكم من قال لزوجته : أنت علي حرام ، أو تحرمي علي ؟


اختلف الفقهاء في الحكم : فمنهم من حكم بأنه ظهار ومنهم من حكم بأنه طلاق . هنا الحكم على نية القائل : فإن نوى الطلاق أو الظهار أو اليمين فالأمر على ما نواه . وإن لم ينو شيئا ، لزمه كفارة يمين ، وهذا مذهب الإمام الشافعي ، ويدل على ذلك : أن هذا اللفظ يصلح لأن يكون طلاقاً أو ظهاراً أو يميناً ، فكان المرجع في تحديد ذلك إلى نية القائل ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ) . وعن ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : ( إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا ) رواه البخاري ومسلم .
وأما الفرق بين الطلاق والظهار واليمين : ففي اليمين ما نوى التحريم ، لكنه نوى الامتناع إما معلقا وإما منجزا مثل أن يقول : إن فعلت كذا، فأنت عليّ حرام هذا معلق . هنا ليس قصده أنه يحرم زوجته ، بل قصده أن تمتنع زوجته من ذلك أو أنت علي حرام ، قصده أن يمتنع من زوجته ، فهذا يمين ؛ لقوله تعالى : ﴿ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ قوله : ﴿ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ “ما” اسم موصول يفيد العموم فهو شامل للزوجة وللأمة وللطعام والشراب واللباس ، فحكم هذا حكم اليمين . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إذا قال لزوجته : أنت علي حرام فهي يمين يكفرها ، بدليل الآية .
والحالة الثانية : أنه يريد به الطلاق ، فينوي بقوله أنت علي حرام ، يعني : يريد أن يفارقها بهذا اللفظ . فهذا طلاق ، لأنه صالح للفراق ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام :(إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) الحالة الثالثة : أن يريد به الظهار ، ومعنى الظهار أن يريد أنها محرمة عليه فهذا قال بعض أهل العلم : إنه لا يكون ظهارا لأنه لم يوجد فيه لفظ الظهار . وقال بعض العلماء : إنه يكون ظهارا ؛ لأن معنى قول المظاهر لزوجته : أنت علي كظهر أمي ، ليس معناه إلا أنت حرام ، لكنه شبهها بأعلى درجات التحريم وهو ظهر أمه ، لأنه أشد ما يكون حراما عليه فهذا يكون ظهارا ، والظهار كما وصفه الله منكراً وزوراً ، فعليه التوبة منه، وألا يقرب زوجته حتى يفعل ما أمره الله به لقوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ ، فعليه عتق رقبة، يعني أن يحرر عبداً مملوكاً من الرق، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما إلا بعذر كسفر ومرض، فإذا لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً لقوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ﴾ . وإذالم تقصد إيقاع الطلاق. فإنه لا يقع به طلاق، وتلزمك كفارة يمين في أصح قولي العلماء ، وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يأكل هو وأهله، ومقداره خمسة عشر كيلو غراماً من الرز ، ويكفي أن يغديهم أو يعشيهم، أو كسوتهم ، لكل واحد ما يستره لصلاته فإن لم يستطع فيصوم ثلاثة أيام لقوله تعالى: ﴿ فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ﴾ المائدة 89 ، وإن كنت أردت به إيقاع الطلاق. وقعت به طلقة واحدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *