خطبة عيد الأضحى

شرع الله لأمة الإسلام عيد الأضحى وعيد الفطر قال تعالى:﴿ لِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا﴾ الحج34 ، منسكاً أي: عيداً كما قال ابن عباس وقد شرع الله له طاعات مختصة بالمكان أو الزمان، فيوم عرفة عيد لحجاج بيت الله الحرام، واجتماع لهم ، يتضرعون لله عز وجل، ويقومون بفعل ما شرع لهم من القربات والطاعات، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال أصحاب رسول الله : ما هذه الأضاحي يا رسول الله؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم ، قالوا: فما لنا فيها يا رسول الله؟ قال: بكل شعرة حسنة) رواه ابن ماجه ومن لم يحج ، شرع الله له صلاة عيد الأضحى في جمع المسلمين، وشرع له صيام عرفة الذي يكفر السنة الماضية والآتية، وشرع له مقابل قربانُ الحجاج وذبائحهم ، الأضحية مع الذكر وفعل الخيرات، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال: (ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله عز وجل من هراقة دم ، وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان ، قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا) رواه الترمذي وابن ماجه ، وعن ابن عباس رضي الله عنها عن النبي قال: (ما عمل ابن آدم في يوم أضحى أفضل من دم يهراق إلا أن يكون رحماً يوصل) رواه الطبراني وعن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: (يا فاطمة، قومي إلى أضحيتك، فاشهديها، فإن لك بكل قطرة من دمها ، ما سلف من ذنوبك) قالت: يا رسول الله، ألنا خاصة أهل البيت، أو لنا وللمسلمين؟ قال: بل لنا وللمسلمين) رواه الطبراني والبزار .
أما الأضحية ، فالشاة تجزئ عن الرجل وأهل بيته ، وتجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، ولا يجزئ من الضأن إلا ما تم له ستة أشهر، ولا من المعز إلا الثني ، وهو ما تم له سنة، ولا من الإبل إلا ما تم له خمس سنين، ولا من البقر إلا ما تم له سنتان ويستحب أن يتخير الأضحية سمينة صحيحة، ولا تجزئ المريضة البين مرضها ولا العوراء ولا العجفاء، وهي الهزيلة، ولا العرجاء البين ضلعها، ولا العضباء التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها، وتجزئ الجمّاء والخصي ، والسنة نحر الإبل قائمة معقولة اليد اليسرى، والبقر والغنم على جنبها الأيسر متوجهة إلى القبلة ، ويقول عند الذبح: بسم الله وجوباً، والله أكبر استحباباً اللهم هذا منك ولك، ويستحب أن يأكل ثلثاً ، ويهدي ثلثاً ، ويتصدق بثلث، لقوله تعالى:﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَـٰنِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾الحج:36، ولا يعطي الجزار أجرته منها. ووقت الذبح بعد صلاة العيد باتفاق، واليوم الذي بعد ذلك فيه خلاف، والراجح أنه زمن للذبح مع فوات فضيلة.
إن العيد من شعائر الإسلام العظيمة ومن منافعه العظمى، التواصل بين المسلمين والتزاور، وتقارب القلوب، وانطفاء نار الأحقاد والضغائن والحسد. فاقتدار الإسلام على جمع المسلمين في مكان واحد لأداء صلاة العيد ، آية على اقتداره على أن يجمعهم على الحق، ويؤلف بين قلوبهم على التقوى، فلا شيء يؤلف بين المسلمين سوى الحق؛ لأنه واحد، ولا يفرق بين القلوب إلا الأهواء لكثرتها، فالتراحم والتعاون والتعاطف صفة المؤمنين فيما بينهم، كما روى البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ، واعلموا أن العيد ليس لمن تزين ولبس الجديد، ولا من خدمته الدنيا وأتت على ما يريد، لكن السعيد في العيد من فاز بتقوى الله تعالى، وكتب له النجاة من حرّ النار لشديد، وفاز بجنة الخلد التي لا ينقص نعيمها ولا يبيد.
ومن الواجب أن نفرح في العيد لأنه فرض مهما ألم بالأمة من المآسي والأحزان فأيام العيد أيام فرح ، وأكل وشرب ، ولقاء بين الأقارب ، وأيام صلة الأرحام ، وأيام الاقتراب من الواحد الديان ، تعم فيها المسرات ، وتلبى فيها الحاجات .
وليتذكر كل منا وهو يجتمع بأسرته يوم العيد أطفالاً يتامى، ونساءً أيامى، لا يجدون ابتسامة الأب، وحنان الأم ، ليتذكر جموعاً من إخوانه المسلمين في فلسطين ، حيث البطولة والشجاعة ضد أعداء الله ورسوله والمؤمنين ،وانتفاضتهم حول المسجد الأقصى الجريح، ويحتاجون إلى الدعم مادياً ومعنوياً، وليعلم كل مسلم أن العمل على تحرير المسجد الأقصى من براثن اليهود، مسئولية المسلمين جميعاً ، في الوقت الذي نرى أعداء الله ، على اختلاف توجهاتهم ، مجمعون على حرب الإسلام والكيد لأهله، فكونوا على وعيٍ وحذرٍ وفطنة من الأخطار التي تهدد الأمة من أصحاب الشرك والوثنية ، ودعاة الصهيونية واليهودية ، وأنصار التثليث والنصرانية وأهل الفساد والإباحية ، الذين يشنون الحرب على الإسلام، ولسان حالهم يقول: “دمروا الإسلام، أبيدوا أهله، واقضوا على تعاليمه واطمسوا أنواره” . وعلى المسلمين في هذا اليوم ، تجنب البدع القبيحة ، والعادات السيئة في الأعياد كزيارة النساء للقبور ، إذ لم يثبت قط أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبراً في العيد ، وما أحوج المسلمين اليوم إلى الاعتصام بحبل الله ، والالتزام بسنة رسول الله ، في هذه الظروف ، التي يعاني فيها المسلمون ، أشدّ أنواع البطش والاضطهاد في أماكن مختلفة من العالم ، فأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وأكرموا الأرامل والأيتام ، وتزاوروا وتصافحوا ، يَذهبُ الغل من قلوبكم ، واجعلوا من يوم عيدكم سبباً للتصافي والتواصل ، واعطفوا على الفقراء والمساكين ، وتواصلوا وتواصوا بالحق والصبر .
وكل عام وأنتم بخير .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *