كل الناس يستقبل العيد ، وليس كل الناس يدرك أن العيد الحقيقي في الإسلام يكون بإقامة دولة الإسلام ، التي يرى الناس في ظلها نموذجاً للمجتمع المسلم ، والأمة المسلمة التي تقوم على عقيدة الإسلام وشريعته وأخلاقه ومفاهيمه .
إن العيد في واقعه الإسلامي ، ليس عيد الّلاهين عن أمتهم وبلادهم وإنسانيتهم إنما هو عيد أولئك الذين تثقل كواهلهم هموم الأمة ، وتملأ قلوبهم خشية الله وتقود تصرفاتهم ، أخلاق الرجولة المؤمنة التي نتحرك على صعيد العبودية لله ونزن الأمور بموازين الهدى ، الذي لا يطيقه ضعفاء النفوس , والتي تلبي الدعوة إلى الاستجابة لله والرسول : ﴿ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ الأنفال 24 يأتي العِيدُ هَذَا العَامَ، والفِتَنٌ تَمُوجُ بِأُمَّةِ الإِسلامِ فِتَنٌ مَا زَالُ بَعضُهَا في البِدَايَةِ، وَبَعضُهَا قَارَبَت عَلَى النِّهَايَةِ، وَأُخرَى مَا زَالَت عَلَى أَشُدِّهَا وَلا يُدرَى مَا اللهُ صَانِعٌ فِيهَا، وَثَمَّةَ فِتَنٌ قَدِ انعَقَدَ في السَّمَاءِ غَمَامُهَا، وَثَارَ في الأَرجَاءِ عَجَاجُهَا وَقَتَامُهَا، وَيُوشِكُ إِنْ لم يُرَاجِعِ النَّاسُ دِينَهُم أَن يَزِيدَ ضِرَامُهَا، إِنَّهَا فِتَنٌ يُخَطِّطُ لَهَا أَعدَاءٌ ظَاهِرُونَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالمُلحِدِينَ، وَيُنَفِّذُهَا مُنَاوِئُونَ للإسلام وَمَن لَفَّ لَفَّهُم، وَيَتَلَقَّفُهَا جَاهِلُونَ بِعَوَاقِبِ الأُمُورِ، نسمع الأخبار عن مَنَاظِرَ تَقشَعِرُّ مِنهَا الجُلُودُ، وَمَشَاهِدَ تَنخَلِعُ لها القُلُوبُ، مُظَاهَرَاتٌ وَحُشُودٌ، وَعَسَاكِرُ وَجُنُودٌ، وَمَدَافِعُ وَطَائِرَاتٌ، وَرَشَّاشَاتٌ وَرَاجِمَاتٌ وَدِمَاءٌ تَسِيلُ، وَبُكَاءٌ وَعَوِيلٌ، وَلاجِئُونَ وَمُشَرَّدُونَ وَمُؤَيِّدُونَ وَمُعَارِضُونَ، وَنَاصِرُونَ وَمُخَذِّلُونَ . فكيف لنا أن نفرح وهذه الهموم متراكمة، وهذه المشكلات باقية، كيف نشعر أننا في عيد.. وفلسطين تصرخ وتئن ؟. كيف نشعر أننا في عيد وأقصانا يُهّود ويهدد بالهدم ؟.
كيف السرور وأرض المسلمين لظى كيف الهناء وأقصى الشرق موؤد
والأرض ترجُفُ من عُهرٍ ومن دَنسٍ أما الديـار فتنـصيرٌ وتهويد
كيف نفرح بالعيد والتباغض والتآمر والحصار الظالم والتجويع مازال مفروضاً علي أهلنا في قطاع غزة . كيف نفرح بالعيد وإننا من جديد أمام تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ ، تفرق وتشتت وتمزق وخطط بُيتت بليل ، وتنفذ علي ارض الواقع لنهب الثروات ، كيف نفرح بالعيد وأرض الإسلام والمسلمين تُنتقص من أطرافها؟. كيف نفرح بالعيد والخلاف الحاد قائم بين أبناء الشعب الواحد
كيف نفرح بالعيد وهم يشعلون حملات العداء والعنصرية والتمييز ضد الإسلام والمسلمين ؟. فنراهم يـُسيئون لرسولنا صلى الله عليه وسلم ويدنسون قرآننا ويستبيحون شرائعنا وشعائرنا وهويتنا وذاتيتنا. نراهم يكرسون شرعتهم الوضعية تتحكم في رقابنا. يزورن الحقائق ويصوَّرون الجهاد، والدفاع عن العقيدة والنفس، والعقل، والعرض والمال، والوطن، بأنه إرهاب. بينما غزوهم لبلاد المسلمين والتدخل في شؤونهم عمل مشروع ، ومتمشٍ مع الشرعية الدولية.
كيف نفرح بالعيد وأعدائنا يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة من شؤوننا ، وعزل من شاءوا والإتيان بمن شاءوا من المستبدين ودعمهم.
إننا نستقبل العيد ونحن نعلم علم اليقين أن الخير في هذه الأمة، وأن النصر لها، لكنه مرهون بتغيير ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بنا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَال ﴾ الرعد11 . تلك من سنن الله تعالي في كونه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلا.
ها قد عدت يا عيد؟ والأحلام مسروقة والآمالُ مشنوقة والوجوه شاحبة، والعيون باكية والضحكات ميتة، والفرحة مبتورة، والأحلام مسروقة، والآمالُ مشنوقة على جدرانِ انكساراتنا عدت وما زلنا غرباء في أوطاننا.. غرباء في ديارنا عدتَ يا عيد وفي القلبِ ما فيه من الأحزان، وفي النفسِ ما فيها من الهموم ..تسكننا إحباطاتنا وتكسرنا جراحنا، ويفرقنا شتاتنا ..عدتَ يا عيد ونحن كما نحن غارقون في فوضى الهزيمة ، وقد حق لأبي الطيب المتنبي، في قبره، أن يسخر منا ومن حالنا وهو يرى أننا ما زلنا حتى اليوم نعاني حيرته ونردد صرخته التي أطلقها منذ نحو ألف ومئة عام، وما زال صداها مدويا دون أن تجد الرد الشافي أو الجواب المقنع، حين تساءل متهكما ساخرا من حاله وحال أمته :
عيد بأي حال عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيك تجديد؟
ومع ذلك، ورغم كل ما سبق، لا نريد بالتأكيد أن نفسد على المعيدين فرحتهم أو نسد شهيتهم ونقلب بهجتهم حزنا وأسى، لأن ظروفا قاسية فرضت عليهم، أو على الغالبية منهم، ولم تكن من اختيارهم ولا كانوا سببا فيها،بل نقول للجميع ، ونرجوا من الله عز وجل أن يعيد علينا هذا العيد وقد تحررت الشعوب المؤمنة بحقها في الحياة والحرية والاستقلال وأن لا تهزم مهما طال ليل الظلم ، ومهما استبد الظالمون ، لأن مصير الطغاة المحتلين إلى زوال مهما طال ظلم المعتدين. اللهم إنا قد فارقنا صيام شهرنا وقيامه على تقصير وأدينا فيه من حقك قليلٌ من كثير ، فلا تردنا يا ربنا خائبين ، ولا من رحمتك آيسين ، واجعل عملنا مقبولا ، وحظنا من شهر رمضان موفورا وتوفنا مسلمين ، وألحقنا بالصالحين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكل عام وأنتم بخير .
