إن الفقر والتفرق والتقهقر وعدم الاستفادة من العقول ، ومن الثروات الطبيعية في بلاد المسلمين جعل الحضارة الغربية ، تلتف على العالم الإسلامي ، فاستحوذت على كل ما يتطلع إليه من الأمور ، التي تجعله يرضخ لهم طوعاً أو كرها للحصول على ما يريدون ، وقد صرح ساستهم في أكثر من مناسبة ، بأن عدو حضارة الغرب هم المسلمون والإسلام ، الذي يجب تطويره ، كشرط لمسايرة الحضارة الغربية ، ومن هنا وقع الكثير من الكتاب المسلمين ، بدعوى مسايرة أحكام الشريعة الإسلامية ، للأحكام الوضعية الغربية ، فخُدِعُوا وخَدَعوا غيرهم ، يوم أوقفوا أنفسهم ، للاعتذار عن الإسلام ، أمام كل قضية يخالف فيها الإسلام ، ما نادت به الحضارة الغربية فقالوا باشتراكية الإسلام ، يوم ظهرت الاشتراكية وقالوا الإسلام ديمقراطي ، عندما ظهرت الديمقراطية ، وتكلموا عن الإسلام ، بما لم يحيطوا بعلمه ، فمنهم الماكر المخادع ، ومنهم من كان عن حسن قصد ، كي يدفع عن الإسلام تهمة عدم التطور ، وصفة الرجعية ، التي وصفوا بها الإسلام ، دفاع المتقهقر غير الواثق بدينه ، لا دفاع المتيقن الثابت.
وقد بذل الكثير من المسلمين ، كل جهد من أجل مواكبة الحضارة الغربية ، فكانت العاقبة ما نراه من تفشي الأوضاع الفاسدة , وانتشار الرذائل الغربية ، في أكثر الأقطار الإسلامية ، والمصيبة الكبرى في إقصاء الشريعة الإسلامية، والاحتيال لتمييع أحكامها عمدا ، أو تحت مبررات شخصية .
إننا نعاني من ظاهرة الانبهار ، بما عند أعداء الإسلام، كما نعاني من تكالب أعداء الإسلام ومن جهل أبنائه ، وكيد أعدائه ، وحلول الكوارث والهزائم ، على أيدي اليهود والنصارى والملاحدة ، فتداعت علينا الأمم ، كما تداعى الأكلة على قصعتها ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وصارت كثرة المسلمين ، غثاءاً كغثاء السيل ، يستمدون من الشرق والغرب ، قوانين معيشتهم ويطبقون أفكارهم الضالة ، ويحكّمون دساتيرهم الوضعية ، فصار حالهم كحال العيس التي أخبر عنها الشاعر بقوله:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول
فلا هم بقوا على دينهم يعتزون به ، ويفتخرون بالانتماء إليه، ولا هم وصلوا إلى ما وصل إليه أعداؤهم ، من التقدم المادي، فكانت النتيجة أنهم خسروا دينهم ودنياهم ، وبدل أن يرجعوا إلى دينهم مصدر عزهم ومجدهم ، إذا هم يحمّلون الإسلام تبعة فشلهم ، يحكُمون على الإسلام وهم لا يحكّمونه، ويتهجّمون عليه ، وهم لا يعرفونه ، ولم يجربوه في حياتهم اليومية، بل إن أعداء الإسلام ، يطالبونهم بإقصائه ، وإحلال مذاهبهم المختلفة محله، زاعمين أن تطبيق الشريعة الإسلامية تأخر ورجعية ، ونبذها تقدم وتطور وصدّق ذلك الجاهلون ، فإذا بهم يصيحون إلى جانب سفاكي دمائهم بمثل صيحاتهم ، متناسين أن الشريعة الإسلامية ، كاملة لا ينقصها شيء وقد شهد الله لها بذلك قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴾المائدة 3 أكمل الله بالإسلام الدين ، وأتم به النعمة ، ورضيه لعباده .
فكان هدي الإسلام في العقيدة ، وفي الأحكام والعقوبات ، واضح ورادع، في كل شأن من شئون الحياة ، فلماذا لم يطبقوه ، ليعيشوا الحياة السعيدة الخالية من الشقاء والحرمان ، والذل والتبعية ، ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، ألم يعلم المنهزمون من المسلمين ، أن أهل الحضارات القديمة قد تركوا حضاراتهم ، حينما عرفوا الحضارة الإسلامية ، وترك أهل الديانات دياناتهم وصاروا جنودا لحماية الإسلام والدفاع عنه ، ألم يعلموا أن الله أعز أسلافهم بالدين حينما حكّموه .
أما آن للمسلمين أن يفيقوا من غفلتهم ، وأن يعلموا أن عزهم ومجدهم ، ودوام حكمهم ، هو في تطبيق منهج الله ، ألم يعلموا أن في قتل القاتل حياة لبقية الناس، وفي قطع يد السارق أمان للأموال ، لتبقى محفوظة لأهلها ، دون تعد عليها وأن في تحريم الربا والغش ، مفخرة للإسلام ، وفي تحريم الخمر، حفظ للعقول، وفي رجم الزاني ، حفظ للأعراض ، وصيانة للأنساب ، وبُعدٍ عن الأمراض ، أما علموا أن في تطبيق منهج الله الخير والسعادة ، والخلاص من الظلم الصارخ والغش المبين ، وإذا علموا فلماذا أقصيت الشريعة الإسلامية في بلاد المسلمين ، ومنع الدعاة ورجال الفكر ، من طرق الجوانب التي تمس معالجة الإسلام ، للقوانين المدنية المستوردة ومنعوا كذلك ، من توضيح خطورة المذاهب الفكرية الضالة، وحددت فيها العقوبات الصارمة بحجة أن طرقها ، يفضي إلى التدخل في السياسة العامة للدولة، أو هو خروج عليها، ومن خرج على الدولة ، فقد أخل بالأمن ، وناصب الشعب العداء ، وقد سمعنا عن القرارات العاجلة التي تصدر بمعاقبة كل من يجرؤ على مخالفة النظام العام للدولة ، مما يدل على أن حرية الكلمة التي يتشدقون بأنها مضمونة لكل أفراد الشعب ، ما هي إلا حيل وتضليل، والشعب بريء من تلك الحيل الإجرامية ، لعملاء أعداء الإسلام من العلمانيين وغيرهم ، الذين لم يكفوا عن تشويه صورة الإسلام الناصعة، عندما ربطوا كل صورة من صور التأخر ، والتخلف الحضاري والمدني بالتمسك بالإسلام ، وترك مذاهبهم التي هي حبل النجاة بزعمهم، فربطوا كل صورة من صور التقدم والنهوض ، والعيش الرغيد ، بالتمسك بمذاهبهم وأفكارهم .
قرأت عن بعض الاحتفالات ، ببعض الذكريات الخرافية ، أنهم يأتون بكلام عن الحضارة الغربية وتفوقها، ثم تأتي طائرات تهز الأرض ، ثم يخلفها رجل عربي يركب حمارا، وأحيانا يركب جملا وعليه أغراضه، ثم تتكرر مناظر كثيرة ، كأنها تقول : انظروا إلى ما عندنا أيها المسلمون وانظروا إلى ما عندكم، وإذا جاز لنا أن نعذرهم لأنهم لم يقرأوا قوله تعالى:﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾ الأنفال60 وقوله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) مسلم ، وغير ذلك من النصوص التي يجهلونها، وإذا جاز لنا أن نعذرهم، فبأي وجه نعذر من يدعي الإسلام ، ويقرأ تلك النصوص ، ثم يرجع باللائمة على الإسلام وتعاليمه ، وكأنه يقول : لن نكون أمة صناعية ، إلا أن نتخلى عن ديننا لنصبح أمة صناعية؟ ، ولن نكون أمة متحضّرة إلا عن الأخلاق الفاضلة ، والسلوك الحسن وضياع القيم ، يأتي الجواب تلقائيا ، لأنهم يعرفون أن في فساد الأخلاق ، وضياع القيم تفتيت للروابط الاجتماعية كلها ، فتنتشر الرذائل التي تعجّل بهدم كيان المجتمع ، الذي تنتشر فيه حيث ينتشر الكذب والغش ، وقطع صلة الأرحام والعداوة والبغضاء ، وعدم الثقة بين الناس واختفاء الأمانة ، وانتشار الدعارة والفجور والمساوئ الكثيرة ، وانتشار الرشوة بكل مظاهرها سرا وجهرا ، بين أصحاب النفوس الضعيفة ، فضاعت الحقوق ، واختلت موازين العدل بين الناس، ولهذا فسدت ضمائر كثير من الموظفين، فتجد المظلوم يصبح ظالما ، وصاحب الحق يصبح معتديا ، وباذل الرشوة يصبح صادقا محقا ، ناهيك عن اختلاس الأموال العامة ، بمجرد الحصول عليها بأي سبيل ، إذ لا رادع يردعه عن ذلك ، فنشأ عن ذلك ، الاحتكارات المحرمة شرعا ، والإثراء عن طريقها ، وكذا تهريب المخدرات ، للحصول على المال من جهة، ولإفساد حياة المسلمين من جهة أخرى، لأن فساد الأخلاق ، هو فساد الفضائل قال شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
خطر الحضارة الغربية وأفكارها
