خطر الحكم المستبد

إن الاستبداد وباء فتاك ، تصاب به بعض الأمم في بعض مراحل تاريخها، وهو أسوأ أنواع الإدارة السياسية ، وأكثرها خطراً على الإنسان، وتأخيراً للعمران، وتمزيقاً للأوطان.
والاستبداد وفق المفهوم الغربي : هو الانفراد بالرأي والسلطة ، دون أن تكون هذه السلطة خاضعة للقانون ، ودون النظر إلى رأي المحكومين ، وقد اعتبر جمال الدين الأفغاني أن الاستبداد أساس بلاء الأمة وشقائها ، ومما قاله “أن الأمة التي ليس في شؤونها حل ولا عقد، ولا تستشار في مصالحها، ولا أثر لإرادتها في منافعها العمومية وإنما هي خاضعة لحكم واحد ، إرادته قانون، ومشيئته نظام، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، تلك أمة لا تثبت على حال واحد، ولا ينضبط لها سير” -العروة الوثقى- .
إن الحكم المستبد خطير جداً ، لأنه سرطان الأمم ، الذي يلتهم كيانها ويستهدف قواها ، ويذرها قاعاً صفصفا ، وكما يرى الكواكبي أن الاستبداد بأشكاله المختلفة: الديني والسياسي والاقتصادي ، هو أساس جميع الفساد ، وأن عاقبته لا تكون إلا الأسوأ، ويرى أن الاستبداد هو “من صفات الحاكم المنفرد والمطلق العنان، الذي يتصرف في أمور رعيته بإرادته ، دون خوف من المحاسبة أو العقاب” ويصف أفلاطون المستبد بقوله “المستبد يستولي على السلطة بالقوة ويمارسها بالعنف، بعد ذلك يسعى أولا إلى التخلص من أخطر خصومه، ويكثر من الوعود، ويبدأ بتقسيم الأراضي ، مما يجعله شعبيا ومحبوبا، وهو ما ينفك يفتعل حروبا ليظل الشعب بحاجة دائمة إلى قائد ، وهذه الحروب تنهك كاهل المواطنين ، من خلال ما يدفعونه من ضرائب باهظة، فيضطرون إلى زيادة ساعات العمل ، مما لا يبقي لديهم وقتا للتآمر على المستبد. والحرب تساعده على التخلص من معارضي سياسته، حيث يقدمهم إلى الصفوف الأولى في المعركة. إن ذلك كله يدعو إلى استياء الجماهير، حتى أعوانه الذين دفعوه إلى السلطة، وهنا لا يجد أمامه إلا القضاء على المعارضة ، بما يملكه من وسائل العنف والقوة، فيزيد من تسلحه، ومن حرسه الخاص من المرتزقة، مما يتطلب نفقات طائلة، فيلجأ المستبد إلى مزيد من نهب خزائن الشعب ، الذي يدرك بعد فوات الأوان ، أنه وضِع في حالة استعباد مسيس ، إن حكم القوة والإجرام ، وضيق الحظيرة ، وقلة الصبر عن الآراء المخالفة ، طبيعة ملازمة للحكومة المستبدة، ولا تلبث أن تنتشر هذه الطبائع في الدولة كلها ، وتعم العلاقات الاستبدادية المجتمع بهيئاته جميعها” .
لقد ساهمت أنظمة الاستبداد ، في تبديد ثروات الأمة ، وأنفقت أموالا طائلة في شراء وتكديس أسلحة ، لن تستخدم قط إلا لقهر شعوبها ، كما أنها ساهمت في تجذر التجزئة والفرقة ، وأفرغت مفهوم وحدة الأمة من مضمونه وجعلت من وحدة الأمة حلما مستحيل التنفيذ ، وإذا كان موقف أنظمة الاستبداد ، مفهوما من كل الكوارث التي تحل بمنطقتنا، فإن الأمر غير المفهوم ، هو هذا الصمت المطبق الذي خيم على هذه الأمة إزاء هذه الكوارث، وحالة اللامبالاة بل البلادة تجاهها، وانعدام أي مظهر شعبي عفوي ضدها ، وكما قال الشيخ محمد الغزالي : ” إن الناس في بلادنا ينتفضون ويثورون إذا هتك عرض فتاة ، ولا يبالون إذا هتك عرض أمة “. وهو خلل في فهم الفقه الإسلامي والفقه الدعوي ، وترك لترتيب الأولويات ينطبق عليه قول الجاحظ: ” إنه سقم في العقل ، وسخف في الرأي ، ولا يأتيان إلا بخذلان من الله سبحانه وتعالي ” .
إن النظم الاستبدادية ، تفرز أخلاقا سلبية في المجتمع ، فيصير النفاق إلى طبع مغروس، وعادة تمارس بلا تفكير ، ويصير الدرهم والدينار قبلة الناس وكعبتهم ، فيخرجوا وهم لا يشعرون ، إلى وثنية حقيقية تتسلل إلى نفوسهم ، مع أنفاس كل يوم يعيشونه في ظلال الخوف والقهر ، حتى ينتهي بهم الأمر إلى عبادة فرد أو أفراد ، وإلى اسقاط كل القيم التي ترتبط بها الحياة والمواقف والمشاعر والأفكار، وهذا منتهى التدني وقاع الهبوط ، وهو أول الشرك الذي يصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أشد خفاء في تسلله إلى النفوس “من دبيب الذر على الصفوان -أي الحجر الأملس- في الليلة الظلماء” .
إن الإسلام هو الدين الذي اهتم بمطاردة الاستبداد والاستعباد بكل معانيه، ومحاربته بكل ما في اليد من أداة، ولم نرَ في الحياة شريعة قاومت الاستبداد والاستعباد ،كما قاوم الإسلام، ولا نعرف ديناً صبّ على الاستبداد والمستبدين سوط عذاب، وأسقط اعتبارهم وأغرى الجماهير بمناوأتهم ، والانقضاض عليهم كالإسلام، ولا نعرف مُصلحاً أدّب رؤساء الدول ، وكبح جماحهم، وقمع وساوس الكبرياء والاشتهار في نفوسهم ،كما فعل نبي الإسلام ، وإني على يقين بأنه مهما اشتدت وطأة المستبدين ، وتعاظم خطرهم ، وتفاقم أمرهم واستفحل شرهم ، وزاد طغيانهم، فإن ذلك إيذانًا بانحسار أمرهم وآخر نهايتهم ، ونهاية طريقهم ، وأوان ذلهم وهوانهم ، ووقت انكسارهم ، فهذه سنة الله في الكون ، التي تجري على الدول والممالك، وإن لكل شيء نهاية، ونهاية الظالم مسطورة في ذاكرة التاريخ .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *