خطر النفاق والمنافقين

المنافق: هو الذي يظهر غير ما يبطن ، والنفاق أخطر من الكفر ، وعقوبته أشد ، لأنه كفر بلباس الإسلام ، وضرره أعظم ، ولذلك جعل الله المنافقين في أسفل النار كما قال سبحانه : ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً ﴾ النساء/145 . والمنافقون دائماً في حيرة وتقلب ، في خداع ومكر ، ظاهرهم مع المؤمنين .. وباطنهم مع الكافرين ، حيناً مع المؤمنين وحيناً مع الكافرين ﴿ مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ﴾ النساء/143 . فالنفاق دول ذات هيئات وأركان، إنه أحلاف وتكتلات وكيانات، بل معسكرات ذات قوة وسلطان، سلطان سياسي واقتصادي وإعلامي وثقافي
والمنافقون أخطر على المسلمين من الكفرة وقد أثبت التاريخ أن نكبة الأمة بالمنافقين تسبق كل النكبات ، فقد استطاع الكافرون أن يربُّوا أشخاصاً على النفاق ليعملوا في صفوف المسلمين في كل المجالات، منهم المعلمين والمربين والموجهين والسياسيين والصحفيين والكتاب والمؤلفين ورجال الفكر والعلم . تصنع لهم الأمجاد الزائفة عن طريق الإعلام، ويُلمّع هؤلاء ليتخذهم العامة منارات يستقى منها التوجيه والتحليل ﴿ يخادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَ مَا يَشْعُرُونَ ﴾ البقرة:9. قال ابن القيم رحمه الله: “فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه، وكم من عَلم له قد طمسوه، وكم من لواءٍ له مرفوع قد وضعوه، وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها، وكم عمّوا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها، فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية، ويزعمون أنهم بذلك مصلحون، ﴿ ألا إنهم هم المفسدون، ولكن لا يشعرون، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ﴾ .
لقد افتتح ابن سلول طريق النفاق ثم سارت من بعده أفواج المنافقين عبر التاريخ، وفي عصرنا الراهن لا تخطئ العين ملامح العلمنة والنفاق الظاهر المتظاهر مع الكفار في القضايا الكبرى من قضايا المسلمين، إن القرآن الذي أُمر النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه بجهاد المنافقين سيظل يُتلى إلى يوم الدين بقول الله تعالى:﴿ يا ٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ التوبة:73، والآية تدل على أن النفاق سيظل موجوداً وسيظل محسوساً ملموساً من أشخاص وهيئات ودول ، تُرى فيهم آيات النفاق ، بكافة أشكاله وصوره عندما يكون موجهاً إلى ضرر الدين وأصحابه ، سواء كان صادراً من أهل السياسة أو الثقافة أو الفن والقلم أو حتى من بعض المنسوبين للعلم والفتوى في بعض البلدان .
ومما زاد من خطورة النِّفاق وخطر المنافقين ظهور الأئمة المضلين والعلماء الزائفين عن الحق وأمراء الجور ، الذين يُضعّفون أركان الإسلام ، ويعطِّلونها باسم الإسلام . عَنْ زِيَادِ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، فقَالَ لِي : ” هَلْ تَدْرِي مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟ يَهْدِمُهُ زَلَّةُ عَالِمٍ، أَوْ جِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَحُكْمُ الْمُضِلِّينَ ” . قال الطيبي: “المراد بهدم الإسلام تعطيل أركانه الخمسة، وتعطيله إنما يحصل من زلة العالم، وترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، باتباع الهوى، ومن جدال المبتدعة وغلوهم في إقامة البدع بالتمسك بتأويلاتهم الزائفة، ومن ظهور ظلم الأئمة المضلين، وإنما قدِّمت زلَّة العالم، لأنها هي السبب في الخصلتين الأخيرتين ”
إن الأمة تعاني من فئة منهم ظهرت في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، تتكلم باسم العلم والفتوى، تمرر قضايا خطيرة جداً فيها من التلبيس على عقول الناس ما الله به عليم، تصب في تحقيق أهداف أشخاص يخدمونهم باسم الدين ، يمارسون الدس والوقيعة بين المسلمين: وهذه من صفاتهم الخطيرة التي يستغلها المنافقون لإيقاع العداوة والخلافات بين المسلمين ، وما أكثرَ هؤلاءِ اليوم! أحسنوا زخرفة الألفاظ وأساءوا العمل، وتسلَّقوا منابر شتى، وأعملوا معول الهدم في دين الأمة، تارة باسم العقل، وتارة باسم الاعتدال، وتارة باسم التقدم وعدم الرجعية، وتارة باسم نبذ التطرف والإرهاب، وتارة باسم متطلبات العصر. ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ البقرة:11 . قال الحسن البصري، التابعي الزاهد – رحمه الله -: ” إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَمْ يَأْخُذْ دِينَهُ عَنِ النَّاسِ، وَلَكِنْ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ اللهِ عز وجل فَأَخَذَهُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ أَعْطَى النَّاسَ لِسَانَهُ، وَمَنَعَ اللهَ قَلْبَهُ وَعَمَلَهُ. فَحَدَثَانِ أُحْدِثَا فِي الْإِسْلَامِ: رَجُلٌ ذُو رَأْيِ سَوْءٍ زَعَمَ أَنَّ الْجَنَّةَ لِمَنْ رَأَى مِثْلَ رَأْيِهِ، فَسَلَّ سَيْفَهُ، وَسَفَكَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَحَلَّ حُرْمَتَهُمْ، وَمُتْرَفٌ يَعْبُدُ الدُّنْيَا، لَهَا يَغْضَبُ، وَعَلَيْهَا يُقَاتِلُ، وَلَهَا يَطْلُبُ . وَقَالَ : ” يَا سُبْحَانَ اللهِ! مَا لَقِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ مُنَافِقٍ قَهَرَهَا، وَاسْتَأْثَرَ عَلَيْهَا، وَمَارِقٍ مَرَقَ مِنَ الدِّينِ فَخَرَجَ عَلَيْهَا. صِنْفَانِ خَبِيثَانِ قَدْ غَمَّا كُلَّ مُسْلِمٍ. يَا ابْنَ آدَمَ، دِينَكَ دِينَكَ، فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمُكَ وَدَمُكَ، فَإِنْ تَسْلَمْ بِهَا فَيَا لَهَا مِنْ رَاحَةٍ، وَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَنَعُوذُ بِاللهِ فَإِنَّمَا هِيَ نَارٌ لَا تُطْفَأُ، وَحَجَرٌ لَا يُبْرَدُ، وَنَفَسٌ لَا تَمُوتُ ” . وما أبدعَ وأشملَ قولَه حيث يقولُ: ” إِنَّمَا النَّاسُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ: مُؤْمِنٌ وَمُنَافِقٌ وَكَافِرٌ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَعَامِلٌ بِطَاعَةِ اللهِ عز وجل، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَقَدْ أَذَلَّهُ اللهُ تَعَالَى كَمَا رَأَيْتُمْ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَهَهُنَا وَهَهُنَا فِي الْحَجَرِ وَالْبُيُوتِ وَالطُّرُقِ نَعُوذُ بِاللهِ. وَاللهِ مَا عَرَفُوا رَبَّهُمْ بَلْ عَرَفُوا إِنْكَارَهُمْ لِرَبِّهِمْ بِأَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ. ظَهَرَ الْجَفَا، وَقَلَّ الْعِلْمُ، وَتُرِكَتِ السُّنَّةُ. إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، حَيَارَى سُكَارَى، لَيْسُوا بِيَهُودَ وَلَا نَصَارَى وَلَا مَجُوسَ فَيُعْذَرُوا” (أي بكفرهم) .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *