قال تعالى : ﴿ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ﴾ الملك 2 .
الموت والحياة أمران مألوفان ، ومن الملك والقدرة كان خلق الموت والحياة ، وكان الابتلاء بهما ليختبر الله عباده ، فينظر أيهم له أطوع وإلى طلب رضاه أسرع والموت هو الواعظ الأكبر والحقيقة المطلقة التي لا شك فيها لا يغني عنه مال ولا ولد ولو لم يكن هناك موتٌ لما كان للحياة قيمة ، لأن الإنسان مهما قوي سلطانه وكثر ماله وولده ، وعظم جاهه فلا بقاء له في هذه الدنيا التي يحتقرها الإسلام أشد الاحتقار ، عندما تكون الأمل الذي لا أمل معه وعندما يركض الناس في طلبها لا لشيء إلا للحصول عليها والاستكثار منها قال تعالى : ﴿ فلا تغرّنكم الحياة الدنيا ولا يغرنّكم بالله الغرور ﴾ . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء ) . رواه الترمذي وصححه. وأنشدوا :
لا تأسف على الدنيا وما فيها فالموت لا شك يفنينا ويفنيها
فعلى من ساء فعله فيها أن يسارع إلى ربه بالأعمال الصالحة لتكون زاده في الحياة الآخرة ، وأن يبادر إلى المغفرة بالتوبة قبل حلول الأجل وليحذر التسويف لأن الموت يأتي بغتة وقد ورد في الحديث ( هلك المسوقون ) ، والموت قدرٌ لا مفر من لقائه في موعده المحدد ، قال تعالى : ﴿ قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ﴾ الجمعة 7 . هذه لفتة من اللفتات القرآنية تُقِرُّ حقيقةً ينساها الناس وهي تلاحقهم أينما كانوا ، وهي أن هذه الحياة هبة من الله ونعمة لا تحفظها الأسباب، ولا يبقيها الفرار من الموت قال تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ﴾ البقرة 243 . فروا من الموت فأماتهم الله ليعلمهم أن الموت قدره وقضاؤه ، ثم أحياهم ليعلمهم أن الحياة هبة من الله ومنة منه وفضل ، أماتهم ليعلمهم أن الموت قدرٌ لا مفر من لقائه في موعده لا يستقدم لحظة ولا يستأخر وأن الفرار لا ينفع في دفعه ، وأن الناس سيلاقون حتفهم المكتوب وأن لا عاصم لهم من الله ، ولا مولى لهم من دون الله يحميهم ويمنعهم من قدر الله ، وما ينجو من الموت من خافه ولا يُعْطى البقاء لمن أحبه ، لأن الحياة على هذه الدنيا محدودة بأجل ثم تأتي نهايتها حتماً فكل نفس ستموت وتفارق هذه الحياة ، ولكن الفارق بين نفس ونفس في المصير الأخير كما قال الله تعالى : ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ﴾ . فلماذا لا نعمل عمل أهل الموتى ، ولم لا نبصر ولا نتدبر إذا كان الموت نهاية كل حي والمرجع إلى الله ولماذا لا نحسب حساب هذا المذاق أم أننا نستبعد النهاية والفراق ، التي هي قدر من البارئ الخلاّق ولقد أحسن القائل :
كل شيء سوف يلقى حتفه في مقامٍ أو على ظهر سفر
والمنـايا حـوله ترصُـدُه ليس ينجيه من الموت الحذر
وروي عن الأمام الغزالي قوله : ” جدير بمن الموت مصرعه والقبر مقرّهُ والقيامة موعده والجنة أو النار مورده ألا يكون له استعدادٌ إلا للموت ولا تدبرٌّ إلا فيه ولا تطلّعٌ إلا إليه ” . وقال الشافعي وهو على فراش الموت : أصبحت من الدنيا راحلا ولكأس المنية شاربا ، وعلى الله واردا ولا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها أم إلى النار فأعزيها ثم أنشد :
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلمـا قرنتـه بعفوك ربي كان عفوك أعظم
كم هو جميل أن نجعل دنيانا مطيةً لآخرتنا مصداقاً للقائل:
تزود من الدنيا فإنك لا تدري إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجر
ألا نرون كل يومٍ ذاهباً إلى الله يتوسد التراب ويترك الأحباب ؟ فاستعدوا للقاء الله إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .
