خلق الوفاء

نتكلم عن الوفاء لتفشي وباءُ الجحود في قلوبِ الكثيرين ، الذين لا جميل عندَهم يُذكَر ، ولا معروف لديهم يُحفَظ، ولا تواصُل معهم يستمر، نتكلم عن خصلة كريمة من خِصال الإيمان، وخُلُق عظيم من أخلاق الإسلام إنه خُلق الوفاء بالعهد، في زمن عزَّ عند الناس صدق الوعود ، والوفاء بالعهود ، متناسين قول الله تعالى:﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾الإسراء 34 فالوفاء بالعهد من صفات الأنبياء ، ومن علامات الصادقين المتَّقين ، إذ كيف يطمع في الجنة ، وصحبة الأنبياء والصادقين والمتقين ، من لم يتخلَّق بهذا الخُلق ، فكم من المسلمين من يحدِّث وهو كاذب! ومن يَعِد وهو خائن! ، لقد سجل التاريخ المواقف الخالدة التي تدل على صدق الالتزام بالوفاء أتى شابَّان إلى الخليفة عمر بن الخطاب ، وهما يقودان رجلاً من البادية ، فأوقفوه أمامه، قال عمر: ما هذا؟ قالا: يا أمير المؤمنين، هذا قتل أبانا، قال: أقتلت أباهم؟ قال: نعم قتلته، قال: كيف قتلتَه؟ قال: دخل بجمله في أرضي فزجرته فلم ينزجر، فأرسلت عليه ‏حجرًا وقع على رأسه فمات، قال عمر: النفس بالنفس لا بد أن تُقتل ، كما قتلت أباهما، قال الرجل: يا أمير المؤمنين، أسألك بالذي رفع السماء بلا عمد ، ‏أن تتركني ليلة ، لأذهب إلى زوجتي وأطفالي في البادية، فأُخبِرُهم ‏بأنك ‏سوف تقتلني ثم أعود إليك، والله ليس لهم عائلٌ إلا الله ، ثم أنا، قال عمر: مَن يكفلك أن تذهب إلى البادية ثم تعود إليَّ؟ ونكَّس عمر ‏رأسه والتفت إلى الشابَّين: أتعفوان عنه؟ قالا: لا مَن قتل أبانا ، لا بد أن يُقتل يا أمير المؤمنين قال عمر: مَن يكفل هذا أيها الناس؟ فقام أبو ذر الغفاريّ ، وقال: يا أمير المؤمنين ! أنا أكفله، قال عمر: هو قَتْل، قال: ولو كان قاتلاً! قال: أتعرفه؟ قال: ما أعرفه، قال: كيف تكفله؟ قال: رأيت فيه سِمات المؤمنين فعلمت أنه لا يكذب، وسَيَفِي بعهده إن شاء الله، قال عمر: يا أبا ذر، أتظن أنه لو تأخَّر بعد ثلاث أني تاركك؟ قال: الله المستعان يا أمير المؤمنين ، فذهب الرجل ، وأعطاه عمر ثلاث ليالٍ، يُهيِّئ فيها نفسه، ويُودع ‏أطفاله وأهله، وبعد ثلاث ليالٍ ،لم ينسَ عمر الموعد وفي العصر ‏نادى ‏في المدينة: الصلاة جامعة فجاء الشابَّان، واجتمع الناس، وأتى أبو ‏ذر ‏وجلس أمام عمر، قال عمر: أين الرجل؟ قال: ما أدري يا أمير المؤمنين! وتلفَّت أبو ذر إلى الشمس، وكأنها تمرُّ سريعة على غير عادتها وقبل الغروب بلحظات، إذا بالرجل يأتي، فكبَّر عمر ، وكبَّر المسلمون‏ معه، فقال عمر: أيها الرجل ، أما إنك لو بقيت في باديتك ، ما شعرنا بك ، ‏وما عرفنا مكانك، قال: يا أمير المؤمنين، والله ما عليَّ منك ، ولكن عليَّ من الذي يعلم السرَّ وأخفى ، ها أنا يا أمير المؤمنين، تركت أطفالي كفراخ‏ الطير ، لا ماء ولا شجر في البادية، وجئتُ لأُقتل، وخشيت أن يُقال لقد ذهب الوفاء بالعهد من الناس فسأل عمر بن الخطاب أبا ذر: لماذا ضمنته؟ فقال أبو ذر: خشيت أن يُقال: لقد ذهب الخير من الناس، فوقف عمر ، وقال للشابَّين: ماذا تَرَيَان؟ قالا : وهما يبكيان: عفونا عنه يا أمير المؤمنين ، لصدقه ووفائه بالعهد، وقالوا: نخشى أن يُقال: لقد ذهب العفو من الناس قال عمر: الله أكبر، ودموعه تسيل على لحيته . ليت المسلمين اليوم يتخلَّقون بهذا الخلق ؛ كي يفوزوا بخير الدنيا والآخرة ، والعجيب أن ذلك في الناس قليل ، وبسبب قلته فيهم قال الله تعالى: ﴿وَما وَجَدْنَا لِأَكْثرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ﴾ الأعراف 102 . إن الوفاء بالعهود من أعظم أخلاق أهل الإيمان. فعن أبي هريرة أن رسول الله ع ذكر: ( أن رجلاً من بني إسرائيل ، سأل بعض بني إسرائيل ، أن يسلفه ألف دينار، قال: ائتني بشهداء أُشهِدهم، قال: كفى بالله شهيدًا قال: ائتني بكفيل، قال: كفى بالله كفيلاً قال: صدقتَ، فدفعها إليه إلى أجل مسمًّى فخرج في البحر ، فقضى حاجته، ثم التمس مَرْكبًا يَقْدَمُ عليه ، للأجَل الذي أجَّله، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبةً فنقرها، فأدخَلَ فيها ألف دينار، وصحيفةً معها إلى صاحبها، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر، ثم قال: اللهم إنك قد علمتَ ، أني استسلفت فلانًا ألف دينار فسألني كفيلاً، فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك، وسألني شهيدًا، فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بك، وإني قد جهدت أن أجد مركبًا ، أبعث إليه بالذي أعطاني، فلم أجد مركبًا، وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يطلب مركبًا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ، ينظر لعل مركبًا يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا فلما كسرها ، وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل ، الذي كان تسلف منه، فأتاه بألف دينار، وقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إليَّ بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل هذا الذي جئت فيه؟! قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرِفْ بألفك راشدًا ) رواه البخاري . فلنكُن أوفياءَ لمن عرفْناهم، ولنتناسَ جراحَ مَن أخطؤوا في حقِّنا في يومٍ ما؛ تخليدًا لخُلق الوفاء وتجديدًا لنيَّة الصَّفاء ، يقال ان ملكا أمر بتربية عشرة كلاب وحشية ، لكي يرمي لها كل وزير يخطئ ، فتنهشه وتأكله بشـراهة ، وفي احدى الأيام ، قام أحد الوزراء بإعطاء رأي خاطئ لم يعجب الملك، فامر برميه للكلاب ، فقال له الوزير ، خدمتك عشر سنوات ، وتعمل بي هكذا ، أمهلني عشرة أيام ، قبل تنفيذ هذا الحكم ، فقال له الملك ، لك ذلك ، فذهب الوزير الى حارس الكلاب ، وقال له أريد ان أخدم الكلاب ، مدة عشرة أيام ، فقال له الحارس : وماذا تستفيد ، فقال له الوزير سوف أخبرك بالأمر لاحقاً ، فقال له الحارس : لك ذلك ، فقام الوزير بالاعتناء بالكلاب واطعامها وتغسيلها ، وتوفير جميع سبل الراحة لها ، وبعد مرور عشرة أيام ، جاء تنفيذ الحكم بالوزير ، وزج به في السجن مع الكلاب ، والحاشية والملك ينظرون اليه ، فاستغرب الملك عندما جاءت الكلاب تنبح تحت قدميه ، فقال له الملك ،ماذا فعلت للكلاب ، فقال له الوزير : خدمت هذه الكلاب عشرة أيام ، فلم تنس هذه الخدمة ، وخدمتك عشر سنوات فنسيتها ،فطأطأ الملك رأسه ، وأمر بالعفو عنه” إذا كان هذا الوفاء من الحيوان، فلماذا لا يكون هذا الوفاء من الإنسان؟ مع مَن أحسن إليه ومدّ إليه يدًا، وصنع إليه معروفًا، بهذا علمنا الوفاء ، ألا ننكر العشرة ، بسبب موقف عابر ولا نمحوا الماضي الجميل ، مقابل موقف لم يعجب حتى لا نفقد أعز الناس و أحلى الذكريات .
إن الوفاء بالعهد يثمر الكثير من خصال الخير فهو يثمر قوة الثقة، وإذا ما أنست من وفاء إنسان ، قويت ثقتك فيه ، وارتاحت نفسك إليه، إن الوفاء يثمر الاطمئنان والأمانة، ويثمر النجدة والشهامة ، والمجتمع الذي يسوده الوفاء مجتمع متين البناء، تظلّله روح المودة والصفاء ويشدّ أزره التعاون البناء، ومن ثمراته أنه قد ينجي من الهلاك: ويبدو ذلك فيما سجّله التاريخ من قصة الرجل الطائي مع النعمان بن المنذر، وكان ملكاً على الحيرة بالعراق وملخصها: أن النعمان بن المنذر ،كان له يومان، يوم بؤس ، لا يلقى فيه أحدًا إلا قتله ويوم سرور ، لا يلقى فيه احدًا إلا منحه الكثير من عطاياه، وذات يوم خرج رجل من طيئ يصطاد ، ليطعم أولاده؛ فأكرمه الله في آخر النهار بأرنب ، وأثناء عودته لقيه النعمانُ بن المنذر ، وكان في يوم بؤسه؛ فقال لابد من قتلك؛ فقال الطائي : أصلح الله الملك ، لقد تركت أولادي ، يكاد الجوع يقتلهم؛ فلو أذنت لي حتى أعود إليهم فأطعمهم ، فأوصي بهم ثم آتيك في اليوم الثالث ، لتفعل بي ما تشاء فرقّ الملك لحاله وقال: لا آذن لك حتى يضمنك ضامن ، فنظر الرجل فيمن حوله فوقعت عينه على رجل يعرفه ، فقال له: يا شريك بن عمرو: هل من الموت محالة؟ اضمني عند الملك ، حتى أطعم أولادي وآتيك في اليوم الثالث ، فقال شريك: أصلح الله الملك، هو عليّ، وانطلق الرجل إلى أهله وجاء اليوم الثالث وأحضر الملك شريك بن عمرو ، وقال له: أنت ضامن والضامن غارم وإذا أخل الطائي بوعده ، فلابد من قتلك.
فقال له شريك: ليس لك عليَّ من سبيل حتى يمضي النهار، وفي آخر ذلك اليوم الثالث هيأه للقتل، فقال شريك: أمهلني قليلاً فإنى أرى شبحًا من بعيد ، لعله صاحبي، ثم أسفر الشبح عن الطائي ، وقد حضر، فتعجب الملك لذلك، ووجه إليهما هذين السؤالين فقال: يا شريك بن عمرو، ما الذي حملك على أن تضمن الرجل ، وربما أخلف وعده فتقتل به؟ قال شريك: إنما فعلت ذلك ، حتى لا يقال ضاعت المروءة من الناس، قال الملك: وأنت أيها الطائي: لقد نجوت بنفسك ، فما الذي دعاك إلى أن تحضر لتقتل ؟ قال الطائي: أصلح الله الملك ، إنما جئت أسلم رقبتي للقتل حتى لا يقال : ضاع الوفاء من الناس؛ فقال الملك في دهشة وعجب: والله لا أكون ألأم الثلاثة ، قد عفوت عنك ، حتى لا يقال: ضاع العفو من الناس . قال تعالى : ﴿ ومن عفا وأصلح فأجره على الله ﴾ .

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *