دعاة الفتنة

وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اَللَّيْلِ اَلْمُظْلِم يُصْبِحُ اَلرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً، اَلْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِن الْقَائِمِ والقَائِمُ خَيْرٌ مِن الْمَاشِي، والمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِن السَّاعِي، فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوا بِسُيُوفِكُمْ اَلْحِجَارَةَ ) . صور مرعبة هي مناظر القتل والتّقتيل بين فئتين كلاهما يدّعي الحق ، القاتل يقتل بكل قسوة والمقتول يلفظ أنفاسه وهو يعلن الشّهادة والناس حيرى أمام ما يروا وما يسمعوا، بأيّ حق قَتل القاتل، وفي أيّ جريرة قُتل المقتول، إنّه زمان الفتن الّذي أمرنا النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام بأن نتعوّذ منه قال صلى الله عليه وسلم : ( والّذي نفسي بيده ليأتينَّ على النّاس زمان لا يدري القاتل في أيّ شيء قَتل ولا يدري المقتول على أيّ شيء قُتل ) . فتن ذاق الناس فيها الاضطهاد وشربوا الذل والمهانة ، والتعذيب والتنكيل والتقتيل ، من أولئك المتطرفين الذين يمارسون ضغائنهم وحقدهم على إخوانهم ، بعمليات تدل على ما كان محتبسا ومحتقنا في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم من حقد وبغضاء واستهانة بالإنسان وحقوقه الدينية والمدنية والحياتية التي كفلتها له الشرائع السماوية والدنيوية .
” الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ” هذه العبارة يظنها بعض الناس حديثاً، وهي ليست حديثاً ، غير أنها عبارة صحيحة، وحكمة صائبة فهي تمتحن الناس في كل شيء، في دينهم وعقولهم . تمتحنهم في قيمهم وإنسانيتهم، وتمتحنهم في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم ، الفتنة نائمة فلا ينبغي أن توقظ بصغير الشرر، فكم من عود اشتعل ورُمي جُزافا فأكلت نيرانه البشر والشجر، من المؤلم أن يتحول الإنسان إلى بوق للفتنة وهو يظن أنه يُحسن صنعا ! ومن تدبر الفتن رأى أن سببها الجهل والعصبية والضلال والتطرف في الدين والفجور والغي في الدنيا، وأنها تقع من أهواء تتبع، وأحكام تبتدع ، ومن فتح لها قلبه قابلته بشرها، فيكون الخلاف ويكون الصراع بين الحق والباطل ، يوقد نارَها أعداءٌ متربّصون وكفرةٌ حاقدون ، وجهلةٌ قاصرون، منحرفون عن منهج الحق والعدل ، وهجمة تشتدّ ضراوتها ويستشري ضررها، ويتفاقم خطرها ، فاختلطت المفاهيم، واختلّت الموازين، فهلك بسببها خلق كثير وهكذا شأن الفتن إذا عظُمت في الأمة، كما وصفها بذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله: ” تبدأ في مدارج خفية، وتؤول إلى فظاعة جلية، فتزيغ قلوب بعد استقامة، وتضلّ رجال بعد سلامة، وتختلف الأهواء عند هجومها، وتلتبس الآراء عند نجومها، من أشرف له قصمته، ومن سعى فيها حطمته، تغيض فيها الحكمة، وتنطق فيها الظلمة وتثلِم منارَ الدين، وتنقض عقد اليقين، تهرب منها الأكياس، وتدبّرها الأرجاس، تقطَّع فيها الأرحام ويفارَق عليها الإسلام ، ثم يوجّه -رضي الله عنه- بعد ذلك إلى اجتناب الفتن فيقول: فلا تكونوا أنصاب الفتن، وأعلام البدع، والزموا ما عُقد عليه حبل الجماعة، وبُنيت عليه أركان الطاعة واقدموا على الله مظلومين، ولا تقدموا عليه ظالمين واتقوا مدارج الشيطان، ومهابط العدوان ” ما أعظمه من وصف بليغ، وبيان دقيق، لحقيقة الفتن وواقعها وما أجلّها من نصائح صدرت من قلبٍ امتلأ إيماناً ويقينا، وبصيرةً وعلماً، ابتُلي بالفتن فخبرها واصطلى بنارها فصبر عليها، وأبلى بلاء عظيماً في القضاء عليها، وسنّ فيها للأمة سننا باقيات إلى أن تقوم الساعة ، وما تزال الفتن في الأمة تظهر عبر عصور الإسلام بين الحين والآخر، حتى ابتليت أمة الإسلام بما يحدث الآن على الساحة من أحداث وتداعيات، وما أبرزته من فتن تلاطمت أمواجها، ومحنٍ هاجت أعاصيرها، وطال بلاد الإسلام وأهلَ الإسلام منها عظيم الأضرار وبالغ الأخطار، فهي أم الكبائر والجرائم ؛ قال صلى الله عليه وسلم : (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أو يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ من الدُّنْيَا قَلِيلٍ ) رواه مسلم وأحمد والترمذي عن أبي هريرة واللفظ لأحمد. نعم يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل عندما يرضى أن يقتل النفس المحرمة بقليل من سحت الدنيا، أو مجاملة لعدو أو صديق ، أو طمعاً في جاهٍ أو منصب يبيع دينه بدنيا غيره ثم لا تبقى الدنيا له ولا لغيره ، وقد قال بعض العقلاء ممن أريد منهم أن يقاتلوا مع بعض الخلفاء والولاة، ممن لا يُقاس بهم أحدٌ من حكام اليوم:
وَلَسْتُ بِقَاتِلٍ رَجُلا يُصَلِّي على سُلْطَانِ آخَرَ من قُرَيْشِ
له سُلْطَانُهُ وَعَلَيَّ جُرْمِي مَعَاذَ اللَّهِ من فَشَلٍ وَطَيْشِ
أَأَقْتُلُ مُسْلِمًا في غَيْرِ جُرْم فَلَيْسَ بنافِعِي ما عِشْتُ عَيْشِي
بالفتنة تتردى الأخلاق، وتُتجاوز الآداب، وتسوء الظنون، وتتحكم الأهواء، بالفتنة تُقطع الأرحام وتُكتسب الآثام ، ويعم الخوف والفقر، وتُسفك الدماء، وتتوقف عجلة الحياة الكريمة، ولا يعيش الناس في ظلها إلا في الذل والخوف والجوع والدماء والأشلاء، وفي ظلها يُحتكم إلى الأعداء، وتُسلم المقاليد للطامعين والمعتدين، إلى غير ذلك من مآسيها وثمارها المرة ، وها هي قد استيقظت وأسفر وجهها الكالح البغيض، وأطلت بقرونها وارتفعت عقيرتها كنعيب الغراب الذي لا يبشر إلا بالشر، ويتحمل مسؤوليتها من أبى المخارج التي ناد بها المخلصون والحريصون على وأد الفتنة ورأب الصدع وإخراج البلاد والعباد من النفق المظلم يتحمل مسؤوليتها من رفضها ووضع العراقيل في طريقها من أجل الهوى وشهوة السلطة والاستعلاء ، يتحمل مسؤوليتها من أشعل فتيل الحرب وضحى بالدماء المعصومة والحرمات المصونة، من أجل نزواته أو نزوات من يحيط به من بطانة السوء . أما علم دعاة الفتنة أن أعظمَ ما يملكُ الإنسانُ دينَهُ وشرفه، وأن أيامُ الفتنةِ سوقٌ يُباع فيها الدينُ والشرفُ بأبخسِ الأثمان، وأن من يعز عليه دينُهُ وشرفُهُ أن يتجنبَ هذا السوق، ولا يخاطرَ فيه بنفسِهِ أو بدينهِ أو بشرفه؛ وقد جاء التحذير النبوي من الاستخفافِ بالدماءِ المعصومة، بقولِ النبيصلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا في شَهْرِكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا ) رواه مسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( كُلُّ الْمُسْلِمِ على الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ) رواه مسلم، فحرامٌ على المسلم أن يطيعَ أحداً في إيذاء المسلمين أو قتلهم فالقتل لا يُعذر أحدٌ فيه بإكراهٍ ولا غيره، كما لا يجوزُ لأحدٍ أن يُستأجرَ بالمال ليقوم بإرهابِ الناسِ وتخويفِهم أو تهديدِهم بالسلاح ، ومن يفعل ذلك يرتكبُ جرائمَ مضاعفة، جريمة الخيانةِ والعمالة وبيع الدين بالدنيا، كما لا يجوزُ استغلالُ الفتنةِ لتصفيةِ الحسابات، أو الأخذِ بالثاراتِ أو لتحقيقِ الأغراضِ والمطامعِ لأي جهةٍ كانت، مدنية أو عسكرية أو لأغراضٍ شخصيةٍ أو حزبية أو سياسية أو لعصبياتٍ قبلية أو أي نوع من أخلاق الجاهلية،لأن دم الإنسان ليس رخيصا أبدا في ديننا وملتنا تحت أي زعم أو دعوى. فمن قتل نفسا واحدة-بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا ، فكيف بمن يحمل وزر دماء كثيرة سُفكت لعنصرية أو طائفية قال تعالى : ﴿ من قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ﴾ المائدة 22 .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *