الحمد لله الذي أوجد الكون من عدمٍ ودبره؛ وخلق الإنسان من نطفةٍ فقدره؛ ثم السبيل يسره؛ ثم أماته فأقبره؛ ثم إذا شاء أنشره وجعل الموت كَأسٌ بَينَ النَّاسِ تُدَارُ ،وتَسُوقُ إِلَيهِ يَدُ الأَقدَارِ وَيَخرُجُ بِصَاحِبِهِ إِمَّا إِلى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلى النَّارِ، والموت هَادِمُ اللَّذَّاتِ ، وَمُفَرِّقُ الجَمَاعَاتِ وقَاطِعُ الأَسبَابِ ، وَمُغَيِّبُ الأَحبَابِ ، وَمُودِعُ الأَجسَامِ التُّرَابَ إِلى يَومِ الحَسَابِ ، ومن حكمته سبحانه أنه لم يجعل دار الدنيا للبقاء والاستمرار، وإنما جعلها دار ممر واعتبار ، فالرابح من صلح زرعه ، والخاسر من فسد ثمره ، فالدنيا ليست لحي سكنا ، لأنها سريعة الزوال وشيكة الارتحال، فقال الله لنبيه ﴿ وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون﴾ فالبقاء لله الواحد القهار ، قال تعالى : ﴿ يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ نتحدّث عن الموت وهناك قلوب لاهية ساهية غافلة ، نتحدث عنه وفي كل يوم ، أناس تولد وأناس تموت ، ونحن غافلون عن هادم اللذات ، وقاطع الراحات ومفرّق الأحباب ، وعظنا نبينا فقال : ( أكثروا من ذكر هادم اللذات ) لأن في ذكر الموت حياة ، وفي نسيانه غفلة ، ومن استحيا من الله ، لا يغفل عن الموت ، ولا عن الاستعداد له قال صلى الله عليه وسلم : ( من استحيا من الله حقَّ الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا ) فتوسدوا الموت إذا نمتم واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم ، فذكر الموت له أعظم الأثر في إيقاظ النفوس ، وانتشالها من غفلتها لأنه من أعظم المواعظ ، وذكره يقطع على النفوس لذاتها ويطرد عن القلوب مسراتها ، ومن استعدَّ للموت جدَّ في العمل وقصَّر الأمل ، وفي ذكره ، إيقاظ للقلوب من سباتها ، وزجر للنفوس عن التمادي في غيها وشهواتها ، فيزيد الصالح في صلاحه ، ويستيقظ الغافل قبل مماته ، إنه الحقيقة التي يسقط عندها جبروت المتجبرين ، وعناد الملحدين، وطغيان البغاة المتألهين فقد شرب من كأسه العصاة والطائعون ، والأنبياء والمرسلون قال الله : ﴿ وَ مَاْ جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخَاْلِدُونَ ﴾ إنها الحقيقة التي لا مفرَّ منها طال الزمان أو قصر ﴿ قُلْ إِنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ فكل باكٍ سيُبكى ، وكل ناعٍ سيُنعى وكل مذكور سيُنسى ، وليس غير الله يبقى ، من علا فالله أعلى ومن عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ما هو آتٍ آت ﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآتٍ ﴾ :
يا ابن آدم أنت الذي ولدتك أمك باكياً.. والناس حولك يضحكون سروراً
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا .. في يوم موتك ضاحكاً مسروراً
كفى بالموت واعظاً ، فهو من أعظم المصائب ، وأشدُّ النوائب لذا سمَّاه الله مصيبة ، فقال سبحانه : ﴿ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ المَوْتِ ﴾ بل إنه المصيبة العظمى والرزية الكبرى ، ولا نجاة منه إلا أن يكون العبد في دنياه لله طائعاً وبشرعه عاملاً ، إنها الساعة التي تنكشف فيها الحقائق ، وتتقطع فيها العلائق ، ويتمنى الإنسان وليس له ما تمنى ، حينها ﴿ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَني قَدَّمتُ لِحَيَاتِي﴾
يا سالكاً طريق الغافلين .. ويا راضياً بطريق الجاهلين
متى تُرى هذا القلب القاسي يلين .. متى تبيع الدنيا وتشتري الدين
أين الحبيب الذي كان وانتقل ؟! .أين كثير المال وطويل الأمل ؟!.أما خلا كلٌّ في لحده مع العمل !!.أين من تنعَّم في قصره ؟!. أليس في قبره نزل ، انتبهوا قبل فوات الأوان ، فإنما هي جنة أو نار ﴿ فَاعْتَبِرُواْ يَا أُولِي الأَبْصَار ﴾ هناك من يذكر الموت ، ولكن بقلوب غافلة فمن أراد حسن الختام فليزم الاستقامة ، وليعلم أنها أعظم الكرامة ، اما قال الله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾ قال الحسن :” اتق الله يا ابن آدم لا تجتمع عليك خصلتان سكرة الموت ، وحسرة الفوت والندامة والذي نفسي بيده إنَّ غاية أمنية الموتى في قبورهم ، حياة ساعة يستدركون فيها ما فاتهم ، بتوبة وعمل صالح ” لقد أسمعت لو ناديت حيَّاً ، ولكن لا حياة لمن تنادي ، فليعلم المغتر بصحته كم صحيح مات من غير علة .. وكم عليل عاش حيناً من الدهر ، ستبيت في القبر وحدك وسيباشر التراب خدك وستنهش الديدان لحمك وستبقى رهين عملك فاعتبر بمن مات قبلك .
تزوَّد من الذي لا بدَّ منه .. فإنَّ الموت ميقات العباد
وتبّ مهما جنيت وأنت حيٌّ .. وكن متنبهاً قبل الرقاد
ستندم إذا رحلت بغير زادٍ .. وستشقى عندما يناديك المناد
أترضى أن تكون رفيق قومٍ .. لهم زادٌ وأنت بغير زاد
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجلٍ وهو يعظه : ( اغتنم خمساً قبل خمس : اغتنم شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك ) وأنت في زمن الإمكان ، أصلح ما بقي ، يُغفر لك ما مضى وما بقي ، وإلا ستُأخذ بما مضى وما بقي ، فلا نعرف قيمة الحياة إلا إذا عاينا الموت، حينها ننادي فلا يستجاب لنا ، فاتقوا الله عباد الله واعتبروا بمن مضى من القرون وانقضى واخشوا مفاجأة القضا، وإن لكم في الموت لعبرة
