ذم التعصب

التعصب ظاهرة مرضية يمزق الشمل ويشتت الصف ويفرق المسلمين إلى جماعات متنابذة ، وفرق متناحرة ، كلٌ يدّعي أنه على حق ، فيطعن بغيره ويتهم سلوكه ، ويعرّض بسمعته ، وقد استغل أعداء الدين هذه الخلافات لغرس سمومهم بين المسلمين مطبقين قاعدة فرق تسد ، لذا فإن العلماء قديماً حذّروا من التعصب الأعمى ، لبغض المذاهب أو الأئمة وكان لسان حالهم ” إذا صح الحديث فهو مذهبي ” واعتمدوا قاعدة “اعرف الحق تعرف أهله” فالحق لا يعرف بالرجال ، ولكن الرجال هم الذين يعرفون بالحق ، وبما أن العقيدة واحدة ، والحق واحد ، لذا ينبغي أن بكون رائد المسلم هو التمسك بالحق ، وان يوزن الرجال على ضوء هذا الحق ، وأن لا يكون تقديس الأشخاص أو البلدان فوق الحق والمبدأ ، لأنها دعوى الجاهلية التي حذّر منها القرآن فقال تعالى : ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ﴾ المائدة 50 . قال الشاطبي في كتابه الإعتصام : ” ولقد زل أقوام بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال وخرجوا بسبب ذلك عن المنهج الحق ، واتبعوا أهواءهم بغير علم ، فضلوا عن سواء السبيل ” . فليس لأحد أن ينصب للأمة شخص يدعو إلى طريقته ويوالي ويعادي عليها ، وليس لأحد أن ينصب للأمة كلاما يوالي ويعادي عليه ، ويتعصب له لأن التعصب الأعمى ، يصم الآذان عن سماع الحق ويعمي الأبصار عن رؤية الدليل ، ويبذر بذور الخلاف والشقاق والبغضاء والنزاع بين أبناء الأمة فالله تعالى ما ذكر الخلاف في القرآن إلا وحذر الأمة منه قال الله تعالى : ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ آل عمران 105 . وقال تعالى :﴿ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ الأنفال 46. وقال تعالى:﴿ وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾ هود 119. إلا من رحم ربك لا يقعون في مرض الخلاف الذي يؤدي إلى حد النزاع والشقاق . وإني لأعجب ممن استشهد بحديث : ( خلاف أمتي رحمة ) وهو حديث باطل موضوع لا أصل له مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم . فكيف يكون صحيحاً وهو يخالف صحيح وصريح القرآن .
إن التعصب مرض خطير يجعل الإنسان أسيراً لواقعه وإن كان فاسداً ، ويجعله خاضعاً لأفكاره وإن كانت باطلة ؛ والتعصب هو الذي يمنع الإنسان من اكتشاف الحقائق ، ومن الأخذ بها ، ويمزق المجتمع شمل الأمة ويزرع العداوة بينها ومن التعصب ما هو محمود ، وهو الانحياز إلى الشيء على أساس الدليل والبرهان ، ومنه ما هو مذموم وهو الانحياز إلى الشيء ، تحت تأثير الانفعالات والعواطف ، دون استخدام العقل والفكر والمنطق ، ويؤيد هذا الحديث المروى عن زين العابدين (ليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ولكن العصبية أن يعين قومه على الظلم ) . والقرآن الكريم لم يستخدم لفظة تعصب لكنه أطلق على التعصب لفظة مرادفة وهي الحميّة : ﴿ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ﴾ حمية الجاهلية تعني التعصب والإصرار على موقف والاستنكاف عن شيء من دون دليل ومن دون برهان أنفةً واستكبارا .
والتعصب المذموم آفة خطيرة تفسد العلاقات وتهدد بالقضاء على آمال وحدة الأمة الإسلامية والمتأمل في أحوال الدعاة ، يرى كثيراً من مظاهر التمزق والتآكل بين معظم الاتجاهات والتيارات والتي ترجع إلى أسباب متعددة من أخطرها: التعصب المذموم ، الذي لا تقتصر نتائجه على حدوث الفرقة والنزاع فحسب ، بل تتعدى إلى ما هو أخطر من ذلك بحيث يقتل في الأمة روح التواضع والتسامح والذلة على المؤمنين، فتتباغض القلوب ، بسبب الجهل لأسباب التعصب المذموم، كالجهل بأقوال العلماء أو بمقاصد الشريعة، أو بالأعذار والرخص الشرعية وأحكام الضرورات، أو بمراتب المنكرات والمخالفات ، أو الجهل بتقدير المصالح والمفاسد، ولا يقف خطر الجهل عند هذا الحد فالجهل بالواقع وأحوال الناس وأعرافهم قد يؤدي إلى الخطأ في تقدير الأحكام واتخاذ القرارات ، لذا فمن الخير أن يتروّى الإنسان ويتأنى ويتثبت قبل أن يتصرف بناء على مفهومات غير موثقة لديه أو معلومات ناقصة أو أقوال قد يتبين له فيما بعد أن هناك ما هو أرجح منها ، وليفسح المجال لاحتمال صحة الاجتهادات والأقوال الأخرى ، بدلاً من تبني رأي واحد ، والتعصب له بصورة مذمومة تتجاوز حدود الشرع، ليكتشف في النهاية أنه تعصب لرأي خطأ، ارتكب من أجله أخطاء في معاملة المسلمين ، قد تصل إلى حد فتنتهم ، وإيقاع الفرقة بينهم، أو ظلمهم .
إن للهوى له دور كبير في تكوين صفة التعصب المذموم، فقد يعلم بعض المتعصبين تعصباً مذموماً في نفسه أنه على باطل وأن الآخرين على حق، لكنه يصر على رأيه الخطأ لأنه يتوافق مع ميوله، ولا يلقي بالاً للنصح أو الوعظ.
وإن أول علامات التعصب المذموم ضيق الصدر بآراء الآخرين، والإعراض عن سماعها، والنظر فيها، ولو كان تعصبه لحق يعلمه ويثق به ، لما ضاق بالآخرين وتأفف من سماع آرائهم، لأن صاحب الحق لا يخشى من الجدال والحوار، بخلاف المتعصب للباطل.
ومن علامات التعصب المذموم أن يسعى صاحبه للتشهير بالمخالفين له ولآرائه ، دون سبب مشروع أو حجة واضحة، لذا يسعى للبحث عن سقطة هنا أو هناك لمخالفيه، فيذيعها بين الناس ويضخمها وقد يتهمهم في أخلاقهم ، أو سيرتهم ، ويترك موضوع الخلاف أو النقاش .
ومن علامات التعصب المذموم الاستهانة بحقوق الأخوّة الإسلامية، علماً بأن الخطأ أو التقصير لا يُخرج المسلم من نطاق أخوّة الإسلام، ولا يسقط حقوقه الشرعية ، إلا في نطاق حدود الشرع من إنكار أو تعزير أو حد أو عقوبة شرعية، فيأتي هذا المتعصب فيهدم بتعصبه المذموم بناء الأخوّة الإسلامية وحقوقها ، ويتجاوز الحدود الشرعية في التعصب للحق الذي يحوِّله إلى تعصب مذموم، ومع أن النقد الموضوعي ، والتنبيه على الأخطاء ، والتحذير من المخالفات ، أمر مطلوب ومهم، فإن هناك من يتعدى أدب النقد والنصح، مع أنه قد يكون محقاً حيث بتجاوز حدود الشرع في تعصبه للحق، أو في أسلوب التبليغ أو النصح، أو في التطبيق، أو في الإنكار على المخالفين، حتى يفسد أكثر مما يصلح كمن يدعو الناس إلى سنّة ثابتة غير واجبة، لكنّه يجعلها أساساً يصنّف الناس عليها، ويفرّق في المعاملة بينهم بسببها أو كمن يدعو إلى اتباع منهجه في الدعوة ، فيتعصب له إلى درجة تسفيه المناهج الدعوية الأخرى ، حتى إن كانت صحيحة وسليمة من البدع أو المخالفات ، علماً بأن الصادقين المخلصين ، لا نراهم إلا باحثين عن الحق، مجتهدين في الوصول إليه ، وسواء عرف الحق عن طريقهم أو عن طريق غيرهم أو كان معهم أو مع غيرهم، لأنهم يتخذون ذلك عبادة، وليس لهم في ذلك مآرب أخرى، ولذا تجد تعصبهم للحق تعصباً محموداً منضبطاً بأحكام الشريعة وآدابها، محافظاً على أواصر الأخوّة وحقوقها ، فهذا الإمام الشافعي كان يقول: “ما كلّمتُ أحداً إلا أحببتُ أن يُوفق ويُسدد ويُعان وما كلمتُ أحداً قط إلا ولم أبال بيّن الله الحق على لساني أو لسانه” وهذا دليل على حرصه على بقاء روابط الأخوة بينه وبين من يخالفه، وقد امتدحه يونس الصدفي قال : “ما رأيت أعقل من الشافعي ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق!”. فالمسلم همه الحق وبغيته رضا الله وسيره عَلَى منهج يحكمه الدليل لا الهوى ، أما التعصب للأشخاص أو الجماعات أو الأفكار أو الأحزاب فإنه لا محالة سيورد صاحبه التطرف ، بَيْنَ إفراط وتفريط ، والمؤمن مطالب أن ينتصف من نفسه للحق ، وكما قَالَ عمار بن ياسر : ” ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان : الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار ” رواه البخاري معلقاً ، وعلى هَذَا كَانَ أصحاب رسول الله وقَّافين عِنْدَ كتاب الله وسنة نبيه ، وجمهور الأمة متفق عَلَى أن العصمة للرسول وللأمة في مجموعها وَمَا عدا ذَلِكَ فيؤخذ مِنْهُ ويرد بقدر قربه وبعده عن الحق ، وَمَا اختلف فِيهِ الأئمة والناس من بعدهم فمرجعه الكتاب والسنة لا آراء الرجال ومناهج الأحزاب ومصالحهم إن الأمة مدعوة للتمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ونبذ كل ما من شأنه أن يشق عصا الأمة ، ونبذ كل أنواع التعصب المذموم ، والذي قد يجر إلى ويلات لا يحمد عقباها ، ولنذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دعوها فإنها منتنة ) وقال : ( ليس منا من دعا إلى عصبية ، وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من مات على عصبية ) مسلم .
فلا يجوز أن نتخلى عن أخوتنا ، وحبنا لبعضنا من أجل حوادث فردية ، ولنغرس رابطة العقيدة ورابطة الولاء والبراء والحب في الله والبغض في الله لأنها أعظم رابطة تجمع القلوب وتؤلف النفوس والخلق كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ) أبو داود .

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *