رأيت وتمنيت


رأيت من المسلمين من فجر حرباً أزهقت روح الأخوة فتذكرت حديثاً لأبي ذر يخبر أن الفتن سوف تنتشر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وتهيج الغرائز القديمة نحو القتال ( قال أبو ذر يا رسول الله أفلا آخذ سيفي وأضعه على عاتقي ؟ قال رسول الله له : شاركت القوم إذن ، قلت فما تأمرني ؟ قال : تلزم بيتك ، قال : فإن دخل علىَّ بيتي ؟ قال إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فالق ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه ) . أول ما يتبادر إلى الذهن أن من اقتحم بيتي يريد قتلي قتلته لما روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من قتل دون نفسه فهو شهيد ) وتمنيت لو أن المسلمين سلكوا مسلكاً آخر غير القصاص ، لأن القصاص لا يحل المشكلات الداخلية ، والقطيعة بين ذوي الأرحام تنمو على العقاب وتقل مع العفو ، وعندما تتعقد الأمور بدوافع سياسية فمفتاحها الحل السياسي ، لا سفك الدماء ، ولعل ذلك ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم عندما أوصى بموقف سلبي في مقابلة الفتن ، بتدخل أولو النهى لإنهاء الخلاف بردم منبع الشر ، وكأن الوصية النبوية تؤكد هذا المعنى عندما تقول عن الفتنة ( القاعد فيها خيرُ من القائم والماشي فيها خيرُ من الساعي ) . وتمنيت أن يكون في الأمة رجال لهم حلمٌ وأناة لهم إخلاصٌ وتجرد ، يبتعدون عن أسباب النـزاع ويرفضون صيحات الجاهلية ، ويتحرون وحدة الكلمة ويشدون الفرقاء المتخاصمين إلى الخلف ، ريثما يتم إصلاح ذات البين بحل تتغلب فيه المصلحة العامة ، مع شعورنا بصدق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الجماعة رحمة والفرقة عذاب ) ومع ما بلوناه من عواقب الاسترخاء في تنفيذ قوله تعالى : ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ﴾ الأنفال 46 . رأيت من لا يزداد من الإسلام إلا بعدا ولا يزيده الخطر الداهم إلا غفلة ، فتمنيت لو تخلقوا بأخلاق عرب الجاهلية الأولى ، يحمون الديار ويطلبون الثأر ، ويحظرون على أنفسهم المتع حتى يقهروا عدوهم وينتصروا لأنفسهم ، فهذا أحد صعاليك العرب في الجاهلية يتوعد قتلَة قريب له فيقول :
إن بالشَّعب الذي دون سلْع لقتيلاً دمه ما يُطَـل
خلّـف العبء علىَّ وولّى أنا بالعبء له مستقل
ووراء الثأر مني ابن أختٍ قصيعٌ عقدته ما تـحل
فلما أدرك ثأره أباح لنفسه الاستمتاع واللذة وشرب الخمر فقال تأبط شرّا يصف حالته تلك :
حلت الخمر وكانت حراما ويالأَىٍ مـا ألـمت تحل
لعل هذا يستنهض الهمم للوقوف أمام عدونا الذي يصول ويجول ويقتل ويدمر . وفي ميدان التدين ، فإن الله ينظر إلى البواطن لا إلى الصور وإن التدين أبعد شيءٍ عن القسوة والكبرياء ، وهذه خصالٌ ما وضعت في كفة إلا هوت بها ، وإذا ما استعرضنا سيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم فإننا نرى تجسيداً للتواضع والإحسان وحب كل شيء .
ففي هذا الميدان رأيت من ينسى الأصل ويتعلق بالفرع ، ومن يغفل عن الركن ويتشبث بالنافلة ، ورأيت مشكلات أعجزت من تصدى لحلها ، لأنهم عموا عن الداء ، داء القلب الميت والشهوة الغالبة ، وتلك هي عللنا التي هزمتنا في كل صراع لأن كلمة الإسلام التي تمرق بين الشفتين دون رصيدٍ من إيمان أو خلقٍ لا جدوى منها لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ولا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ) . ورأيت من لا يملكون إلا بعض القشور في الدين ، يريدون تمزيق الأمة بإيثار رأي على رأي ، وهم من وجهة نظري فتنةٌ نُحذِّر من غوائلها ، لأن الذين ينشرون التعصب خطرٌ على وحدة هذه الأمة ومستقبلها .
ورأيت من يكره إنسانا فيحاول النيل منه بكل أسلوب ويجتهد ما وسعه لإلحاق الأذى به وهو ما سماه النبي صلى الله عليه وسلم ( الفجور في الخصومة ) . فالمسلم الصادق هو الذي يعرف الرجال بالحق أما أولئك الذين يعرفون الحق بالرجال ، ويثقون في أي كلام يلقى إليهم ، لأنه صادر عن فلان أو فلان ، فهم أبعد الناس عن فهم الإسلام ، بل هم آخر من يقدم للإسلام خيراً أو يحرز له نصرا . ورأيت بعض الدعاة مصاباً بحول فكري لا تنضبط معه الحقائق فقد يرى العادة عبادة ، والنافلة فريضة والشكل موضوعا ، ثم يضطرب علاجه للأمور ، فتصاب الدعوة على يديه بهزائم شديدة . مع أن الداعية الناجح يجب أن يتوفر لديه النقاء وأن يكون محباً للناس ، عطوفاً عليهم لا يفرح في زلتهم ، ولا يشمت في عقوبتهم ، بل يحزن لخطئهم ويتمنى لهم الصواب . وتمنيت أن يكون هدف الداعية بناء العقائد والأخلاق والعبادات ، عوضاً عن التعصب للمذاهب والأهواء باسم الغضب للإسلام ، والله يعلم أنهم بحاجة إلى من ينير عقولهم ويطهر أفئدتهم . ثم تمنيت لو اشتغلوا بحرفة أخرى ، وما أظنها ستكون سعيدة بهم ، فهم إذا كان الدين تيسيرا فإنهم معسّرون وإذا كان تبشيرا فهم منفّرون ، محور نشاطهم بعض الأحكام الفرعية يؤثرون فيها رأياً ويقاتلون الرأي الآخر ، ولو أخلصوا لله نياتهم لوجدوا ألف طريق لخدمة الإسلام بعيداً عن الجدال المحموم ، ورأيت أناساً لا تصيب الحقيقة من قلوبهم هدفا ، ولا تجد بها مقرا ، فهم كما قال تعالى : ﴿ أمواتٌ غيرُ أحياءٍ وما يشعرون أيان يبعثون ﴾ النحل 21 . فقيمة الإنسان في الدنيا والآخرة ترتبط بمدى صلاحية قلبه ، ولعل ذلك ما قرره قوله تعالى : ﴿ إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ الشعراء 89 . وما عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ) .
إنه لن يفهم الإسلام ولن يخدمه من حرم هذا القلب ، ولو استجمع شارات التدين من قلبه إلى رأسه ، أو من رأسه إلى قدمه ، لأن الدعوة لن تنجح إلا إذا حملها أصحاب القلوب الكبيرة ، وعملوا على نصرتها بفهمٍ حصيف وبصرٍ عفيف . رأيت طائفة من العلماء احترفت العلم فبدلاً من أن تهذب به الناس ، أخذت تسخره في نيل الدنيا وتحريف الكلم عن مواضعه ، رأيت للعصبية المذهبية ضراوةً أنكى من ضراوة الخمر ، لأن ضراوة الخمر تغطي العقل ، أما هذه فتغطي الضمير ، ثم تسخر العقل لمسايرة الحقد وطلب الانتصار بأية وسيلة ، ولعل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن البغضاء هي الحالقة ) أي التي تحلق الإيمان والأخوة والفضيلة ، لعله يشير إلى هذا . رأيت من الناس مظهر القسوة في سلوكهم ، واعتداد بالشخصية لا يعرف التواضع ، وميل إلى اتهام الغير لا يقبل العذر ، يفهمون من المرويات فهماً ما ، ثم يقولون هذا هو النص ، وإذا خالفتهم فكأنك تخالف الإسلام ، وكثيراً ما يرتكب هؤلاء سلوك الجهال ، غير مكترثين بما يوجه لهم من نصح أو نقد ، لأنهم في زعمهم متعلمون ، لا يجوز القدح في علمهم ومسلكهم ، وقد يرتكبون من التصرفات ما يوقع المرء في حيرة بالغة من أمرهم ، فهم يجيدون نصف دينهم ، ولا يتقون الله في النصف الآخر .
رأيت من الحاقدين الذين إن وجدوا خيراً دفنوه ، وإن رأوا شراً أذاعوه ، وإن استطاعوا إدارة خصومتهم على غير قانون من خلق أو شرف فعلوه ، لا هم لهم إلا إشباع نفوسهم المحرجة وإرضاء صدورهم الموغرة ، تُرى أيغني في لقائهم الإحساس البارد والقلب الفارغ والابتسام المبذول ؟ ولكن هيهات هيهات : ﴿ فلا تطع المكذبين ، ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ القلم 4 . أتمنى ألا نتوجس من هذه الخصومات ، وأن نأخذ من ذلك مدداً ندعم به أنفسنا ، وأن نسلم الوجه لله ، فمن أسلم وجهه لله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ، ومن قرر أن يكرِّس عمره لإدراك مآربه فهو الخاسر ، إن نبينا صلى الله عليه وسلم استقبل هذا التوجيه الإلهي وعمل به وهو : ﴿ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ﴾ ومن أجل ذلك أخبرنا صلى الله عليه وسلم : أن أول ثلاثة تُسعَّر بهم النار – ونعوذ بالله من الخذلان – قاريء ومجاهد ومتصدق ، لأنهم بعللهم الخفية يعكرون رونق الدين ويضللون سيرته ، ودورانهم حول أنفسهم يزين لهم ظنون السوء بالآخرين ، والطعن في أحوالهم وأعمالهم ، كما يخفون وراء كلمة الإسلام صلفاً يثير الدهشة ، يرى القشة عند غيره ويذهل عن الخشبة في عينه ، ومن تدبر القرآن والسنة النبوية ، يرى أن الإسلام يبني الشخصية الإنسانية على سلامة الفطرة وأصالة الفكر ، فمن فسدت فطرته هبطت عبادته ، فما تساوي عند الله شيئا: ﴿ وما يذَّكر إلا أولوا الألباب ﴾ . إننا في وقت أحوج ما نكون إلى الحكمة القرآنية والسيرة النبوية في التهذيب ، كما أننا أحوج ما نكون إلى جهاد النفس والهجرة إلى الله في علم الشهوات الجلية والخفية ، فمن عمى عن هدي الله واستيقظ من نومه ليتحرك حول نفسه وأهوائه وليس للآخرة في وعيه حساب فهو هالك قال تعالى ) إن الذين لا يرجون لقائنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون ، أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ( يونس 7. إن سرور الدنيا أحزان ، وإقبالها إدبار ، وآخر حياتها الموت ، وكم من مستقبلٍ يوماً لا يستكمله ، ومنتظرٍ غداً لا يبلغه ، ذم رجلٌ الدنيا عند علي بن أبي طالب فقال له : ” الدنيا دار صدق لمن صدَقَها ودار نجاة لمن فهم عنها ” أما الدنيا التي ذمها الإسلام فهي دنيا الغفلة والبلادة والذهول عن الواجبات ، والجري وراء الشهوات ، الدنيا التي تشغل عن الله وتلهي عن الآخرة ، الدنيا التي شاء الله أن تكون ملكاً لنا فجاء صغار الهمم وأبو إلا أن يكونوا ملكاً لها . وخطب علي فقال : ” ألا وهذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون فيها ، وأصبحت تغضبكم وترضيكم ، ليست بداركم ولا منـزلكم الذي خلقتم له ، ولا الذي دُعيتم إليه ، ألا وإنها ليست بباقية لكم ولا تبقون عليها ، وهي وإن غرتكم منها فقد حذَرَتْكُم شرها ، فدعوا غرورها لتحذيرها ، وإطماعها لتخويفها ، وسابقوا فيها إلى الدار التي دٌعيتم إليها ، وانصرفوا بقلوبكم عنها ، ألا وإنه لا ينفعُكم بعد تضييع دينكم شيءٌ حافظتم عليه من أمر دنياكم ، أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق ، وألهمنا وإياكم الصبر ” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *