إن معظم المسلمين لا يذكرون رمضان إلا قبيل حلوله ، ومعظمهم يتناسونه بمجرد انقضاء أيامه .. حتى الكتابات والدراسات والأحاديث والبرامج الخاصة برمضان لا تكاد تظهر في الصحف ووسائل الإعلام ، إلا مع قدوم هذا الشهر ، وكأنه أصبح مجرد مناسبة فحسب ، مع أنه يمثل جزءاً مهماً من الدراسات الإسلامية وجانباً أكثر أهمية في حياة الأمة ، لأنه من الأركان التي قام عليها الإسلام
لقد اقتضت حكمة الله أن يُفرض الصوم على الأمة ، التي فرض عليها الجهاد في سبيل الله الذي هو عطاء المال والأرواح ، إنه عزم يستعلي على كل المغريات ، وإن الأمة التي كلفت به ، لا بد لها بالإضافة إلى العقيدة الراسخة ، من تربية وعناية مستمرة ، حتى يتناسب تكوينها مع المهمة التي وضعت على عاتقها ، لذا أوجب علينا القرآن الذي أُنزل في شهر رمضان ، أن نصحح العقيدة ونهذب النفس ، وأن نُعِدَ القوة من الناحية المادية إلى أقصى ما نستطيع ، وأن نهتم بالقوة المعنوية اهتمامنا بالقوة المادية ، فكان سبيل ذلك هو شهر رمضان . والصيام فيه الجمع بين القوتين ، المادية والمعنوية حيث يعطي المسلم ثلاثة قوى معنوية هي : الصبر _ إنه من أهم ما ينتصر به الجيش على أعدائه ، سمعنا عن الجيوش في هذا العصر تصطحب معها النساء الساقطات ، ليقمن بمهمة الترفيه عن الجنود في ميدان القتال ، بينما يروي التاريخ أن جيوش المسلمين ، كانوا يرفهون عن أنفسهم ، ويتقوون على قتال الأعداء ، بالعبادة والتهجد وقراءة القرآن في أعقاب الليل ، هل تعلموا يا اخوتي أن السبب في جمع القرآن في عهد عثمان ، راجعٌ إلى ما كان يسمعه حذيفة بن اليمان أحد قواد الجيش الإسلامي ، الذي كان يغزو أذربيجان ، من اختلاف قراءة المجاهدين في الليل ، حين كان يطوف بخيامهم قبيل صلاة الفجر ، وكان لهم بالقرآن دويٌ كدوي النحل ؟! هذا هو سرُّ تلك الانتصارات ، التي ما روى التاريخ لها مثيلا , وذلك هو سرُّ تلك الهزائم المنكرة المتلاحقة ، التي منيت بها يومئذٍ جيوش فارس والروم ، إذ كانت معنوياتها المنهارة لا تضمن لها الاستمرار في القتال ، وعندما تركنا ديننا ، ورثنا عنهم تلك المعنويات المنهارة فأصابنا ما نرى ونسمع ، من الهزيمة النفسية والذل والهوان وهيمنة الأعداء . أما ثاني تلك القوى فهي الطاعة – إن المسلم لا يبالي في سبيلها ، أن يقع ذلك من نفسه موقع الارتياح أو الشدَّة ، فحسبه أنه آمن بالله رباً وبرسوله نبياً وقائداً وعاهد الله في إسلامه على السمع والطاعة في كل الأحوال ، لذا كان الجندي المسلم الحق ، مثلاً أعلى للطاعة التي تنبعث من النفس رغبة وإيمانا .
فهل كان خالد يصل إلى المثل الأعلى في القائد الذي يُعْزَل وهو في قلب المعركة ، فيسلِّم القيادة إلي غيره ، تم ينخرط جندياً يقاتل بنفس الروح العالية ، التي كان يقاتل بها وهو قائد ، ثم يقول قولته المشهورة : ” إني إنما أحارب لرب عمر لا لعمر ” ؟ وهل كان يتأتى ذلك لخالد ، لولا أن الإسلام غرس في نفسه هذه الطاعة بالصلاة والصيام من عبادات الإسلام ؟ . وهل كانت تتم تلك الأمثلة الرائعة ، في تاريخ أبي بكر وعمر وخالد وسعد وغيرهم من أبطال الإسلام ، لولا أن الصيام طبع هذه النفوس بطابع الطاعة الواعية ، حتى خضع بعضهم لبعض ومشى بعضهم وراء بعض ؟ . وماذا عن جيش أسامة ؟ الذي جهزه الرسول قبيل وفاته ، وجعل فيه شيوخ المهاجرين والأنصار ، كأبي بكر وعمر وعثمان وخالد تحت أمرة الفتى أسامة بن زيد ، وهو لما يبلغ العشرين من عمره ؟ .
وماذا ترون في قول أبي بكر لعمر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يلي عليهم من هو أكبر سناً وحنكةً من أسامة ، يقول أبو بكر لعمر : يولّيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعزله أنا ؟ لا أبا لك ؟ فماذا ترون في هذه الطاعة العجيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً ؟ أليس في ذلك كله أثرٌ من آثار الصيام ؟ وتربية المسلمين على خلق الطاعة لله ورسوله ؟ بلى والله .
أما ثالث تلك القوى فهو النظام -إن المجتمع الإسلامي في رمضان ، يتجلى فيه النظام بأروع مظاهره ، جوعٌ واحد ، وإفطار واحد ، وصلاةٌ واحدة .. نظامٌ يستوي فيه الناس جميعا ، فيا لها من روعة وما أجلّها في أعين الباحثين عن أجدى الوسائل لتربية الأمم على الطاعة والنظام . وقد اقتضت إرادة الله ، أن يفرض الصوم على الأمة ، التي حملت أمانة إقامة الشريعة في الأرض واقتضت إرادة الله ، أن يُفْرَض الصوم على الأمة التي كان الإيمان بالله وحده ، أساس عقيدتها ومصدر منهجها ، وضمانة سلوكها . كما اقتضت إرادة الله أن يفرض الصوم على الأمة الإسلامية ، التي ميزها بالتمرد على عبودية البشر للبشر وعلى سلطان الشهوة في الجسد وسلطان الكبر والغرور في النفس .
إنه شهر العطف والمحبة والمشاركة العلمية مع الضعفاء ، شهر القيام والاعتكاف شهر التوبة والغفران ، شهر الاستجابة والدعاء ، شهر الاستقامة والنصر . إنه شهر التقوى : وهي اتقاء كل ما يوصل إلى غضب الله ، ولا تتحقق إلا باجتناب كل ما نهى عنه ، وتنفيذ كل ما أمر به ولا تتحقق في صاحب هوى لا يرجوا الله . ليكن أول ما نستقبل ونودع به هذا الشهر ، أن تتذكر تقصيرنا ، ونتذكر المهمة الكبيرة التي كلفنا الله القيام بها ، وهي حمل الدعوة ، لإحقاق الحق ونشر دين الله وعقد العزم على أن نكون أخوة أحباء ، نتناسى الأحقاد ونكون في الله أخوة متحابين ، نتصف بالصفح والعفو والتوبة الخالصة والقلب المنيب ، والنفس المتواضعة . إنه يعلمنا مقومات الأخلاق الفاضلة ، وقيم الإسلام الخالدة من وفاء وصبر ، وطاعة وقوة إرادة ، وجهاد للنفس ومقاومة للذائد الحياة ، إنه يعلمنا الرحمة والتوادد .
إنه شهر الأمجاد التي سطرها المسلمون في كل زمان ، وهم يبنون الحياة الإسلامية ويرفعون قيم الجهاد وينتصرون لإحقاق الحق ، وترسيخ العدالة والمساواة والعلم ، حتى أينعت لهم حضارة وازدهرت لهم مدنية ، فحققوا مضمون الآية الكريمة : ﴿ كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس ﴾ .
جدير بنا في هذا الشهر أن نصحح أخطاءنا ونربي نفوسنا على الجد ، ونطرح عنا الكسل والضعف ، ونوحد صفوفنا ، ونعاهد الله على الاستقامة والتقوى ، وحسن العمل لتحقيق مجتمع التقوى ، التي هي هدف وثمرة الصوم وغايته والله لا يضيع أجر من أحسن عملا
