في شهر رمضان ينبغي أن نتوقف ، لنتأمل حالنا وما نحن فيه ، فلم نقم له بحق الضيافة ولم نستعد له بما هو أهل له ، لأن القلوب غافلة ، والنفوس خاملة أثقلها حب الدنيا وشهواتها ، جاء والأقصى يئن تحت نير الاحتلال ، ويساوم عليه كل دجال ومحتال فاختنق صوت الحق ، حتى أصبح الحليم حيران في زمن خلت الساحة من الفرسان ، والأمة في غفلة عما يجري من ظلم وعدوان ، ولقد أحسن من قال :
نعم، واللهِ أخجل من خضوعي ومن هذا التذلُّلِ والخُنوعِ
نعم، واللهِ أخجل من سكوتي على ظُلْمٍ من الباغي فَظيعِ
وأخجل من بَني الإسلام لمَّا أراهم في زماني كالقطيعِ
نرى في الأَسْر أُولى قبلتينا ونسمع صرخةَ الطفلِ الرضيعِ
وتلعب بالقوانين الأعادي وما للحقِّ فيها من شفيع
قوانينٌ تصون حقوق كلبٍ وترفع قَدْرَ كذابٍ وضيعِ
جاء رمضان ، وطاقاتنا معطلة ، نستهلك ولا ننتج ، ونستورد ولا نصنع ونفتخر باقتناء أفخر السيارات والتجهيزات ، ولا نحسن أيَّ شيء من الصناعات جاء وقد اهتم المسلمون من الفقه بمسائل الطهارة والصلاة والطلاق والتركيز على السنن والمندوبات ، وأهملوا كل ما يتعلق بمصير الأمة ورسالتها ، ولا يسألون عن تسلط الحكام المستبدين ، على شعوبهم المقهورة ، ولا يسألون عن ظلم الأقوياء للضعفاء ، ولا عن التنازل عن أرض الإسلام لمن اغتصبها ، ولا يسألون عن شعوبٍ إسلامية تُذْبَحْ ، لا تجد من يشدَّ أزرها في محنتها ، جاء وقد امتلأت الدنيا بالعدوان، وقد استشري الفساد، فأناس يفطرون علي ما لذ وطاب وآخرون يفطرون على كثره المصاب، جاء رمضان وأعداء الإسلام ، يـُسيئون لرسولنا صلي الله عليه وسلم، ويدنسون قرآننا ويستبيحون شرائعنا وشعائرنا يزورن الحقائق ويصوَّرون الجهاد، والدفاع عن العقيدة والنفس، والعقل والعرض والمال، والوطن ، بأنه إرهاب. بينما غزوهم لبلاد المسلمين ، والتدخل في شؤونهم عمل مشروع ، جاء وقد حيل بين الكثيرين وبين ما يتمنون ، يعتقل من يُعتقل ويُغيب من يُغيب، ويفر من يفر، ويهاجر من يهاجر ويموت من يموت ، ويُحال بين الناس وأوطانهم وأبنائهم وأحبتهم وأصدقائهم ، جاء والمسئولون عن أجهزة الإعلام ، يسرقون روحانية هذا الشهر، وفرص الأجر ، ويفتحون أبواباً الوزر حيث يتأهب شياطين الإنس في التحضيرات الهائلة ، للأعمال الإعلامية ، التي توصف بأنها أعمال رمضانية ، ورمضان منها براء ، أعدوا هذه الأعمال ، تحت دعاوى الترفيه والمنافسة وتحت مسميات الفوازير والمسلسلات والمسابقات وبرامج المنوعات ، لإشغال الناس باللهو والهزل ، وصرف قلوبهم عن العودة إلى الله ، والانصراف إلى الطاعة ، والتوبة والإنابة في شهر تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفد الشياطين ، إلا شياطين المخذِّلين والمنافقين ، والمرائين والمعوقين ، وأشباه الرجال والمطبلين والمزمرين ، والمسبحين بحمد الطواغيت الذين دمروا الأوطان ، وسرقوا الأموال وشياطين كل من حارب شعبه ، وعاش لعرشه وباع وطنه. و كل من لا يعمل على التغيير ويقتل القادرين على التغيير خوفاً من أن يناله التغيير ، جاء رمضان والمسلمون يبكون ولا يضحكون ، لأنهم يعيشون في غمرة الذلِّ والاستعباد ، والفقر والإبعاد ، مما يدعو للتساؤل ؟ أين الصيام من أناس انطوت قلوبهم على الحقد والحسد ، وتفريق كلمة المسلمين وإضعاف سلطانهم ؟ أين أدب الصيام ؟ من فئات تحب أهل الفساد ، وتنافق المسئولين . وهل صام من استغل مصالح المؤمنين واستطال عليهم بلسانه ويده ؟ وكيف يعيشون لأمتهم ودينهم ، الذين تنهزم غرائزهم ، أمام جوع الصيام ومتطلباته وتقصير هؤلاء في صومهم ، شاهد على تقصيرهم في سائر فرائض دينهم وقضايا أمتهم ، ولهذا فإن المخالفات الفظيعة ، والجرائم الشنيعة ، إنما تقع ممن قلَّ دينهم ، وفسدت طباعهم ، وساءت أوضاعهم ، أوصى أبو ذرّ أصحابه يوماً فقال:”إن سفر القيامة طويل ، فخذوا ما يصلحكم ،صوموا يوماً شديد الحرِّ لحرِّ يوم النشور، وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور ، وتصدقوا بصدقة السرِّ ليومٍ عسير ” ولما قيل للأحنف بن قيس : إنك شيخٌ كبير ، وإن الصوم يضعفك قال:”إني أعد لسفرٍ طويل والصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله ” هكذا تبنى فيه الضمائر ، وتربى فيه العزائم ، فهو شهر دواء النفوس والأرواح ، شهر الأمن والإيمان والمغفرة والرضوان الهداية ورشاد والإنفاق والعطاء ، والبرٍّ والإحسان ، شهر الطاعةٍ والعبادة والقيام والاستغفار والدعاء والرجاء ، شهر التراحم والتعاطف ، والتزاور والتآلف شهر الصبر والجهاد ، وقراءة القرآن ، والتوبة والغفران إنه ربيع المؤمنين ، ومرتع الصالحين فمرحباً برمضان ضيفاً كريماً على المسلمين ، إنه أكرم الشهور ، لأنه نزل فيه القرآن قال تعالى :﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان﴾ البقرة 185 . ألا ليت المسلمين يستقبلونه كما يجب ، أو يعاملونه كما ينبغي ، ليتهم يعلمون أن الله يتجلى فيه على عباده بفضله وكرمه فيعملوا الصالحات ، ويتوبوا عن المنكرات ، ليتهم يرجعون فيه عن غيهم وضلالهم ، ويبتعدون عن كل منكر وقبيح ، وليت العصاة فيه يطرقون باب التوبة والإنابة ، ويتحببون إليه بالطاعة والعبادة ويسألون الله الصفح والغفران ويتوددون إليه بكل برٍّ وإحسان ، ويتفانون في طلب رحمته ورضاه ليتهم يُحيون فيه ما مات من كتاب الله وسنة نبيه ، ويتذكرون ما نسوه من دينه وشريعته . فالنقبل على تلاوة القرآن في رمضان ، ونعطي التلاوة حقها ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يكثر من تلاوة القرآن في رمضان قال تعالى: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوة أولئك يؤمنون به ﴾ البقرة 121 . فكأن من لم يعط القرآن حقه في الأداء ، لا يتمكن الإيمان وحلاوة القرآن من قلبه ، ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة بقوله : (لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث) رواه أبو داود . أما كيف نعيش مع القرآن ونعطه حقه ليعطينا حلاوته ؟ فذلك يكون بمراعاة أمورٍ منها : التعرف على معانيه وما يريده الله من عباده قال الله تعالى : ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ محمد24 ولنقبل في شهر رمضان على الاستماع إلى المواعظ ، لأن النفوس إذا ما أصابتها القسوة والغفلة ، وابتعدت القلوب عن الله ، وتعلقت بالدنيا وما فيها ، واقترفت الذنوب والمعاصي فإنها بحاجة إلى التذكير والوعظ ، وقد أخبر الله تعالى عن عباده المتقين أنهم بحاجة إلى تعاهد النفوس ورعايتها فقال :﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ، ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يُصرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون ﴾آل عمران 135 . إذا كانت هذه نفوس المتقين الذين بلغوا المنازل الرفيعة ، فكيف بمن هم دون ذلك بكثير ؟ وكيف بنا اليوم ونحن نعيش عالماً مليئاً بالفساد والمنكرات ؟ ناهيك عن الاستغراق في فصول المباحات والوقوع في المشتبهات . عن أبي جعفر بن علي قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استهلَّ شهر رمضان استقبله بوجهه ثم يقول : اللهمَّ أهلَّه علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ، والعافية المجللة ، ودفاع الأسقام والعون على الصلاة والصيام وتلاوة القرآن ، اللم سلِّمنا لرمضان وسلِّمه لنا وتسلَّمْه منا ، حتى يخرج رمضانُ وقد غفرت لنا ورحِمْتَنا وعفوت عنا ) .
رمضان وما نحن فيه
