قال تعالى : ﴿ ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خَلَفْتُمُوني من بعدي ، أعًجِلْتُم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرّهُ ﴾ الأعراف 150 . الألواح فيها المنهج ، فكيف يلقي موسى الألواح وفيها المنهج ، فقد ظهر هذا من موسى حين غضب على أخيه فكان أول عمل قام به ، ألقى الألواح ، وأول ما ذهب عنه الغضب أخذ الألواح ، وهذا أمرٌ منطقي فالغضب جعله يلقي الألواح ، ويأخذ برأس أخيه ، ثم فهم ما فعله أخوه واعتذر ، فقبل عذره ، وطلب من الله أن يغفر له وأن يغفر لأخيه وانتهى الغضب ، وكانت الألواح ملقاة فأخذها قال تعالى : ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة ﴾ . فقد روي أن التوراة كانت سبعة أسفار في سبعة ألواح ، فلما ألقاها انكسرت ، فرفع ستة أسباعها ، وكان فيها تفصيل كل شيء ، وبقي سبعٌ كان فيه المواعظ والأحكام .
فلنفرض جدلاً أن إنساناً رمى بالمصحف على الطاولة فهل من المنطق أن تقام الدنيا ولا تقعد لهذا ، لتلوكه الألسنة الحاقده ، فتعتبره مأخذاً لايُغُفَر ، وإذا كان خالق الخلق قد غفر مثل هذا الفعل ، فمن هم في ميزان خلق الخالق ، ومن هم حتى يقسقوا ويكفروا خلق الله .
كان جماعة في أيام النبي صلى الله عليه وسلم منتسبون إلى صحبته وملته وهم في الباطن من مردة المنافقين ، قد لا يعرفهم نبي الله صلى الله عليه وسلم ولا يعلم بهم فقال تعالى فيهم :﴿ ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ﴾ سورة التوبة 101 .
فإذا جاز على سيد البشر أن لا يعلم ببعض المنافقين وهم معه في المدينة سنوات فبالأولى أن يخفى حال جماعة من المنافقين الفارغين عن دين الإسلام بعده عليه السلام وعلى العلماء من أمته ، فما ينبغي لأحد أن يبادر إلى تكفير المسلم إلا ببرهان قطعي ، وأن من تضلله طائفة من الأمة ولا تتورع من الحط عليه ، فهو ممن ينبغي أن يفوض أمره إلى الله ، وان يستغفر له في الجملة ، وبهذا يستريح ويصفو قلبه من الغل للمؤمنين .
وليعلم كلٌّ منا أن أهل القبلة كلهم ، مؤمنهم وفاسقهم وسنيهم و مبتدعهم – سوى الصحابة لم يجمعوا على مسلم بأنه سعيد ناج ، ولم يجمعوا على مسلم بأنه شقي هالك ، وعليه لا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه ، ها هم الخوارج المارقون الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم فقاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، لم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم .
وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن تكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضا؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ ، والغالب أنهم جميعا جهال بحقائق ما يختلفون فيه .
والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض لا تحل إلا بإذن الله ورسوله، قال النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه ) وقال : ( إذا قال المسلم لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما ) وقد ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قتل رجلا بعد ما قال لا إله إلا الله فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لما أخبره وقال: ( يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ ) وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ! ومع هذا لم يوجب عليه قودا، ولا دية، ولا كفارة، لأنه كان متأولا ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوذا وقد قاتل السلف بعضهم بعضا من أهل الجمل وصفين ونحوهم، وكلهم مسلمون مؤمنون كما قال تعالى : ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ﴾ الحجرات9. وقد بين الله تعالى أنهم مع اقتتالهم، وبغي بعضهم على بعض إخوة مؤمنون، وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل. ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضا موالاة الدين، لا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم عن بعض ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك . هذا مع أن الله أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن البدعة والاختلاف فقال:﴿ إن الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعا لست منهم في شيء ﴾ فالواجب على المسلم أن يوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالا أو غاويا وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية بوضوح، وأنكر أشد الإنكار على من يكفرون الناس أو يفسقونهم بذنب أو خطأ داعيا إلى التزام الجماعة وعدم الشذوذ عنها، ومجوزا الصلاة وراء المبتدع . ومع هذا نجد من يجهل هذه الحقائق كلها، لأن الحقد عمى بصيرته ، والجهل سيطر عليه ، فراح يشهر سيف التكفير والتفسيق في وجه كل من يخالفه في رأي يرى أنه الحق ، علماً بان معتقد أهل السنة والجماعة، أنه لا يُكَفر أحدٌ من أهل القبلة، وأهل القبلة : هم الذين استقبلوا القبلة في الصلاة والذبح والتزموا بالإسلام، ولم يفعلوا شيئا من نواقض الإسلام ، لا نكفر أحدا منهم، ولو فعل ذنبا ولو زنا أو سرق، إذا لم يستحله، لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، يعني إذا فعل المسلم كبيرة فزنا أو سرق أو شرب الخمر أو تعامل بالربا، أو عق والديه، أو قطع الرحم، نقول: هذا عاصٍ، عاصٍ مرتكب لكبيرة، ضعيف الإيمان ناقص الإيمان، إلا إذا استحلها، فقال الزنا حلال أو الخمر حلال أو الربا حلال فهذا كفر؛ لأنه مكذب لله في التحريم ، ولا بد أن يكون هذا الذي استحله أمر قطعي، لم يختلف فيه أهل العلم كأن ينكر وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة ، أو الحج أو أنكر تحريم أمر معلوم من الدين بالضرورة، كتحريم الزنا أو الخمر ، أما إذا فعله لغلبه الشهوة أو طاعة للشيطان ، فنقول هذا عاص ضعيف الإيمان، مرتكب لكبيرة. لقد ضل الكثير من الناس قديماً وحديثاً ، عندما ركبوا عقولهم ولم يلتزموا سبيل المؤمنين ، واتبعوا أهوائهم في تفسير الكتاب والسنة ثم بنوا على ذلك نتائج خطيرة ، وما ورد في قصة ذلك الصحابي الذي بارز مشركاً فلما رأى المشرك أنه صار تحت ضربة سيف المسلم الصحابي قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فقتله الصحابي فلما بلغ خبره النبي صلى صلى الله عليه وسلم أنكر عليه ذلك أشد الإنكار ، فاعتذر الرجل أنه ما قالها إلا خوفاً من القتل فكان جوابه : ” هل شَقَقتَ عن قلبه ؟ ! ” أما إذا كانوا لا يحرمون ما حرم الله ورسوله عقيدة ، فإنهم بهذا يكونوا قد كفروا كفرَ ردة فالكفر الإعتقادي ليس له علاقة بالعمل له علاقة بالقلب، ونحن لا نستطيع أن نقول بأننا نعلم ما في قلب الفاسق أو الفاجر أو السارق او المرابي إلا إذا عبر عما في قلبه بلسانه ، أما عمله فعمله ينبىء أنه خالف الشرع مخالفة عملية . وهنا يمكن أن نقول خالفتَ فسقتَ وفجرت ، لكن ما نقول : كفرت وارتددت عن دينك ، حتى يَظهرَ منه شيءٌ يكون لنا عذرٌ عند الله عز وجل أنْ نحكمَ بردَّته ، إن الذين يرمون عباد الله بالفسق هم ممن اتصفوا ببعض خصال وصفات المنافقين ومنها إذا حدثوا كذبوا ، وإذا وعدوا أخلفوا ، وإذا خاصموا فجروا ، فلقد حاولت معهم التفاهم فوجدتهم أقرب إلى الكذب والفجور في الخصومة، يدعون إلى العدل والاستقامة ؛ وهم أول من أخلف وخالفها .
إن رمي الناس بالفسق أصبح عندهم موضة العصر ، وهذا لا يصدر إلا من ضعاف النفوس وممن اتصف بالجهل والحقد والغباء وقلة العلم .
وأود أن أقول لمن يقول هذا فاسق وهذا صاحب بدعة وهذا ضال : هل ولاك الله أمور المسلمين حتى تفسق هذا وتلعن هذا ، فهذا الذي يطلق العنان للسانه ويهرف بما لا يعرف أما علم بأن الدعوة إلى الله تعالى لا تكون بالفظاظة ولا بالغلظة ، ولا بسيف الجاهلية ن ولا بالعصا ولا بالجهل ، وإنما الدعوة إلى الله تكون بالأخلاق الحسنة وبالعلم والفهم لكتاب الله ، أم هل يريد هذا أن يكون رباً آخر ، أما علم أن كل إنسان ينطق بالشهادتين ويصلي ويصوم ويزكي ويحج إلى بيت الله لا يجوز أن يرمى بالكفر ، وعند الإعراض وعدم الاستجابة فإني أتمثل قول القائل :
فما بالي وإن كنتم ذوي رحمي أن لا أحبكم إذا لم تحبوني
والله يأمرنا أن نثبت على هذه الكلمة في قوله تعالى : ﴿ فإن تولـّوا فقولوا اشهدوا بأنـّـا مسلمون ﴾ .
